الجزء الثاني

 مولد الغد...

المؤلف: سليم قاسم

 


شاهدت تونس زوجة عمها السيدة فرنسواز تقف في الشرفة الفسيحة المطلة على الحديقة، فمضت نحوها تشق طريقها بين الحاضرين... حين وصلت إليها ألقت عليها تحية المساء، ثم أضافت تسألها في أدب:
- هل تسمحين لي أن أشاركك وقفتك هذه لبعض اللحظات.
- بالطبع.. وهل أنت في حاجة إلى الاستئذان.
- رأيتك ماضية في التفكير، فخشيت أن أقطع عليك تأملك.
- كلا.. لقد كنت أستحضر بعض الصور الماضية لتونس، وأقارنها بما أراه اليوم.
أثارت إجابتها اهتمام الفتاة الشابة، فسألتها في فضول:
- وإلى ماذا أفضت هذه المقارنة.
- لقد تغيرت البلاد كثيرا.
- أرجو أن يكون تغييرا نحو الأفضل.
- هذا أكيد.. لقد لمست ذلك منذ أن وطئت أرض المطار؛ فالجمال يحيط بالزائر أينما حل: حدائق رائعة التنظيم، وزهور وخضرة تنتشر هنا وهناك، ومبان أنيقة جمعت بين حداثة البناء وأصالة التصميم.. حقا، لقد استطاعت تونس أن تقطع في زمن قصير أشواطا وأشواطا في مسيرتها نحو التقدم، وما يثير الإعجاب- بل والاحترام أيضا - هو أنها تمكنت من ذلك، وحافظت في الآن نفسه على ما كان يميزها من بيئة سليمة وطبيعة جميلة وتقاليد عريقة وأناس طيبين كرماء .
شعرت تونس بالفخر يهزها، وهي تسمع مثل هذا الرأي، خاصة وهو صادر عن امرأة أجنبية زارت عديد البلدان، واحتكت بكثير من الشعوب والحضارات.
- أشكرك كثيرا يا دكتورة على هذه العبارات الأنيقة التي صغت بها رأيك في بلدنا.
- ليس الأمر مجاملة يستحق صاحبها الشكر، بل هي الحقيقة التي تفرض نفسها على كل ملاحظ نزيه... تعلمين يا تونس.. لقد عملت طويلا ضمن فريق يسمى " أطباء دون حدود "، وكانت مهمتنا هي أن نقدم المعونة الإنسانية، وأن نوفر الإحاطة الصحية لعديد من الشعوب التي هي في حاجة ماسة إلى ذلك، وقد زرت بحكم عملي هذا عشرات الدول في شتى جهات العالم، وعاينت عن قرب أوضاع سكانها، ولو قمنا بمقارنة بين ما رأيته في تلك الدول، وبين ما أراه هنا اليوم من تقدم وأمن ورخاء، لقلنا دون مبالغة إنكم هنا في تونس محظوظون؛ فقد أتيحت لكم فرصة الإنتماء إلى وطن حر مستقل، تحتل فيه رفاهة المواطن في صدارة الاهتمامات، ولا يدخر وسع للرفع من مستواه في شتى المجالات.
دهشت تونس لما سمعته من مخاطبتها، لا لأنها كانت تجهله ولكن لأنها لم تكن تنتظر أن تكون امرأة "أجنبية" على علم دقيق بما يجري داخل البلاد من إصلاحات عميقة، وبما أفرزته هذه الإصلاحات من نتائج ما انفكت تبرز للعيان.
- يا الله... إنك تتحدثين عن تونس وكأنك واحدة من بناتها.
- بل إنني أعتبر نفسي كذلك منذ أول يوم زرتها فيه.
- وهل يعود ذلك إلى زمن بعيد؟
صمتت السيدة فرنسواز للحظات، وامتد نظرها بعيدا كأنها تجمع ذكرياتها من السحب البيضاء، المتناثرة في سماء تلك الأمسية الخريفية الهادئة، ثم أجابت بصوتها الرقيق الناعم:
- نعم يا عزيزتي.. إلى زمن بعيد.. إلى ثلاثين سنة تقريبا... كنت في تلك الأيام طالبة أتابع دراسة الطب في جامعة باريس (V) ، وكان هناك من بين زملائي طالب تونسي متميز في عمله وفي أخلاقه وسلوكه أيضا... أتعرفين من يكون؟
- أظنني عرفته.. إنه عمي الدكتور واثق أليس كذلك؟
- نعم إنه هو... لقد استغل فرصة توقف الدروس بمناسبة عطلة نهاية السنة الميلادية، فدعانا أنا وزميلين آخرين إلى زيارة بلده...
وما أكثر ما كان يحدثنا عن جماله وروعته.
- وقد قبلتم الدعوة.. أليس كذلك؟
- بالتأكيد... فقد نجح عمك في إثارة حب الإطلاع في أنفسنا،وجعلنا متشوقين للقيام بتلك الزيارة.
- وهل وجدتم تونس كما وصفها لكم؟
- نعم... لقد أعجبتني شمسها، وأبهرني تنوع طبيعتها؛ فأنت تنتقلين في بضع ساعات من البحر الرائق المنبسط إلى الجبل المتعالي الشامخ، ومن السهول المخضرة الممتدة إلى الصحراء ذات الكثبان المترامية... وهذا ثراء كبير يندر أن تجديه في كثير من البلدان الأخرى، كما أعجبني تنوع الآثار التاريخية: فمنها ما يعود إلى ما قبل التاريخ بأحقاب، ومنها ما ينتمي إلى العصر الروماني أو الإسلامي... والكل يشكل إرثا حضاريا رائعا لا بد من المحافظة عليه.
- وكيف وجدت التونسيين؟
- كما ألفتهم دوما... لقد وجدتهم طيبين، بسطاء، يحبون الضيف ويكرمونه، غير أنهم كانوا يعيشون أوضاعا صعبة؛ فالمرافق الأساسية لم تكن متوفرة كما ترينها اليوم، وخاصة في الريف، ولم يكن من النادر أن تشاهدي الأكواخ البدائية تنتشرهنا وهناك في غير ما نظام أو ترتيب، وقد يعترض طريقك صبية في مثل عمرك لا يرتادون المدارس لبعدها عنهم، أو لعجز آبائهم عن توفير لوازم الدراسة لهم...
- نحمد الله أن هذه الأوضاع قد تغيرت اليوم ودخلت طي الماضي.
- هذا صحيح، ولذك فإنك تجدين كل من يزور بلدكم يتحدث عن المعجزة التونسية التي هي بصدد التحقق.
- اسمحي لي ياسيدة فرنسواز، ولكني أرى أن التقدم هو نتيجة طبيعية ومنطقية للإنسجام بين القيادة المخلصة والشعب المؤمن بقيم العمل والتضامن والتكافل.
- ما أصدق ما تقولين أيتها العزيزة... ولكنك تنظرين إلى الامور بعين من ولد مع التغيير وعاش في ظله، فأصبح يرى مكتسباته أمرا بديهيا، ولو عشت الفترة التي حدثتك عنها، لرأيت في الأمر أكثر من معجزة.
كانت كل كلمة تنطق بها السيدة فرنسواز، تعمق لدى تونس اعتزازها بالانتماء إلى هذا الوطن، وافتخارها بالعيش في هذه الفترة المشرقة من تاريخه... وواصلت الفتاة اليافعة وزوجة عمها حديثهما حول ما أصبحت تحضى به البلاد من سمعة طيبة لدى بقية دول العالم، وحول المكانة المرموقة التي أصبحت تحتلها، ثم مضت كل واحدة منهما تستعرض الأمثلة والشواهد المؤكدة لذلك... حتى أطل عليهما فارس ابن السيدة أصالة؛ وكان شابا في الثامنة عشرة من عمره، وسيما، أنيقا يغلب على طبعه حب المرح والميل إلى الدعابة، فبادر تونس قائلا:
- هيا يا ابنة خالتي.. لقد حان موعد فتح الهدايا، والحاضرون على أحر من الجمر، ينتظرون اكتشاف ما تخفيه تلك العلب الجميلة.
سألته وهي تشير إليه باسمة:
- كل الحاضرين ... أم واحد منهم لا يستطيع التغلب على فضوله؟
- فليكن واحدا منهم كما تقولين... المهم أن تسرعي...
ثم أضاف وهو يسحبها من يدها إلى الداخل:
- هيا.. هيا.. بعد إذنك يا حضرة الدكتورة.
تبعتاه ضاحكتين، ومضى ثلاثتهم، حتى وقفوا أمام طاولة كبيرة، رصفت عليها مجموعة من اللفافات المزينة... تحلق باقي الحاضرين حولهم، ومدت تونس يدها إلى علبة كبيرة قائلة:
- أرجو أن تعذروني إن أنا قد بدأت بهدية والدي...
أزاحت الغطاء بعناية وحرص، وأخذت الهدية المخبأة في الداخل تنكشف تدريجيا... لقد كان حاسوبا متعدد الوسائط ، مماثلا لتلك الحواسيب الموجودة في مركز إعلامية الطفل الذي ألفت ارتياده مع مجموعة من الأصدقاء، حتى يتعودوا على استعمال التقنيات الحديثة ويحسنوا الاستفادة منها... صفقت تونس فرحا لهذه الهدية الرائعة، وتعلقت بوالدها تقبله وتشكره، ثم عادت إلى بقية اللفافات تواصل فتحها.
أخذت هدية أخرى، وكان شكلها المستطيل الكبير يدل على أنها -ولا شك- واحدة من تلك اللوحات الزيتية التي ألفت السيدة إخلاص الإبداع في رسمها... كشفت الغطاء عن اللوحة، فتجاوبت أرجاء القاعة بآهات الإعجاب، ولم يتمالك الحاضرون أنفسهم عن التصفيق لهذا العمل الرائع: لقد رسمت السيدة إخلاص قلبا كبيرا، ثم جعلت خريطة الوطن في يساره، وصورة ابنتها في يمينه، فبدت تونس وكأنها نتظر إلى الخريطة نظرة حب ورجاء، وبدا الوطن وكأنه يبادلها ذات النظرة ... وفي أسفل اللوحة خطت الرسامة جملة موجزة معبرة:
" تونس في القلب "
لقد أعجب الحاضرون بجمال اللوحة وتناسق مكوناتها، فأقبلوا يثنون على مهارة السيدة إخلاص في اختيار الألوان وتوزيعها، ويعبرون عن انبهارهم بقدرتها على تصوير ملامح ابنتها بتلك الدقة المتناهية، حتى لكأن الرسم توأم لها يوشك أن ينطق... ولكنهم كلما زادوا في تأمل اللوحة، بانت لهم جزئيات جديدة، وانتبهوا إلى أبعاد أخرى لم تنكشف لهم منذ الوهلة الأولى: فهذه النظرة التي تلقيها تونس على الوطن، أليست هي نظرة الأمل والتفاؤل؟ أليست نظرة كل شاب يطمح إلى الأفضل، ويسعى إلى أن يحقق آماله على هذه الأرض الطيبة بالعمل والاجتهاد... ثم لماذا جعلت السيدة إخلاص الخريطة على يسار الرسم، والوجه على يمينه؟ لقد كان بإمكانها أن تغيرهذا التوزيع، ولكنها لو فعلت لما أمكن لها أن توجد هذا اللقاء بين الوطن وشبابه... فكأنما الوطن في اللوحة قـد جعل الشباب قبلته التي يولي الوجه نحوها، وكأن هذا الشباب قد غدا الشرق الذي تطل منه شمس المستقبل، فتضئ كل الأركان، ولا تترك في السماء أثرا لغيمة أو شبه غيمة... وتلك العبارة أسفل الرسم، أهي مجرد تعليق عليه، أم هي جزء منه لا يتم المعنى دونه؟ ثم من المقصود " بتونس " فيه؟ أهو الوطن، أم الفتاة، أم كلاهما معا؟ إنك لتعود إلى اللوحة من جديد، باحثا عن الإجابة، فتمعن النظر وتفكر وتحلل، وإذا بك تقف على أمر مدهش لم تكن تتوقعه: فأنت نتظر إلى الوطن، ثم إلى الوجه الذي ارتسم قبالته، وتنقل العين بينهما، فتشعر وكأن لهما نفس الملامح، وتواصل التأمل، فإذا هما كيان واحد... وحدة لا تنفصم عراها، وإذا بكل واحد منهما حين ينظر إلى الآخر، فكأنما هو ينظر إلى نفسه في مرآة عاكسة، وعندها فقط تدرك أن الفتاة هي الوطن، وأن الوطن هو الفتاة... وأن تلك الجملة الموجزة: "تونس في القلب" كانت المفتاح لفهم اللوحة والنفاذ إلى أبعادها.
بان التأثر على وجه تونس لعمق ما حملته هذه اللوحة من معان، وأقبلت على السيدة إخلاص تعانقها وتشكرها ثم أضافت:
- يا لها من مسؤولية تحملينني إياها يا أمي.
أجابتها وهي تداعب شعرها الناعم بحنان:
- لقد تحملتها حتى اليوم بكل كفاءة، وكلي ثقة في أنك سوف تواصلين ذلك في المستقبل... كلنا ثقة فيك.
وعاد فارس يتدخل بمرحه المعهود:
- أرجو ألا تنسى ابنة خالتي العزيزة بقية الهدايا.
أجابته تبادله الدعابة:
- ولماذا لا يتولـى ابن خالتي العزيز فتحها بنفسه، ما دام قليل الصبر إلى هذا الحد؟
فاغتنمها فرصة، وتناول أقرب لفافة إلى يده، وهو يقول في لهجة مسرحية:
- فكرة جيدة... أنا شخصيا لا أرى مانعا في ذلك... فلنكتشف ما أعدت والدتي الموقرة لابنة أختها المدللة.
ضحك الجميع، في حين واصل فارس فتح الهدية... كانت عبارة عن تحفة فضية جميلة على شكل شجرة زيتون، أبدعتها يد فنان بارع، ثم ركبت على أغصانها حبات صغيرة من العنبر الأسود ذي الرائحة الفائحة؛ فبدت وكأنها ثمار يانعة تنتظر يدا تجنيها، ثم تحولها إلى زيت ذهبي يسري في الجسم صحة وعافية.
قالت السيدة فرنسواز:
- يا لجمال هذه التحفة وأناقتها، ويا له من مستوى راق بلغه الحرفيون التقليديون في تونس إتقانا ورفعة ذوق.
فأجابها فارس :
- ليس هذا كل شئ يا دكتورة انتظري حتى تشاهدي البقية... ثم أخرج من قاعدة الشجرة خيطا كهربائيا وصله بأقرب منشب للتيار، فإذا بحزم ضوئية تخرج من بين الأغصان الفضية المتكاثفة، فتمنحها لمعانا أخاذا وتضفي على الغرفة جوا شاعريا بديعا.
قالت السيدة أصالة لتونس:
- أرجو أن تكون الهدية قد أعجبتك.
- وكيف لا تعجبني وهي بهذا الجمال؟.. ثم إن الزيتونة شجرة مباركة اشتهرت بها أرض الأجداد... زيدي على ذلك أنها رمز من رموز الاصالة وأنها ستذكرني بهذا الاسم الأنيق الذي تحملينه.
تدخل فارس معلقا:
- لو كنت أعلم هذا لقدمت لك بدوري فرسا جميلا، عساه يذكرك باسمي أنا أيضا بعد أن أعود إلى الخليج.
ضحكت تونس وأجابته:
- هات لنكتشف إذا هديتك.
كانت الهدية تستأثر بجانب هام من الطاولة.. أزاحت عنها الأوراق المزينة، فإذا هي أرغن كهربائي من الحجم الكبير... سارع فارس بفصل خيط المصباح عن المنشب وتعويضه بخيط هديته الرائعة، ثم خاطب ابنت خالته قائلا:
- هيا يا عزيزتي، لقد سمعت الكثير عن مهارتك.. فأرينا إن لم تكن هذه مجرد إشاعة...ضحكت تونس وتقدمت نحو الآلة، وقد انتشرت على وجنتيها حمرة حياء لطيفة... نظرت إلى لوحة المفاتيح بإمعان، ثم عدلت الصوت، وضبطت الإيقاع الملائم.. وانطلقت في العزف.
كانت في تصرفاتها ثقة في النفس، نمّت عن دراية بهذا الفن وتعود على ممارسته... لقد خرجت الأنغام من بين أناملها واضحة عذبة متناسقة، وما أسرع أن وجدت طريقها إلى أنفس الحاضرين، فمضوا يصفقون ويرددون مع فتاة الثالثة عشرة كلمات أغنيتها في تلقائية وانسجام:
فديت ذات الأعين الخضر
حسناء قرطاجية الكبر
لما تزل من عهد أندلس
في صوتها ترنيمة تسري
يا تونس الأحلام يا كنفا
للفن والأنغام والسحر
قسما بسحر عيونك الخضر
ياأجمل الألوان في عمري
ما كان لي إلاك أمنية
لو طالعتني ليلة القدر
كان الحاضرون يتمايلون وهم يترنمون بهذه الكلمات الجملية، وقد زادت من نشوتهم تلك العودة إلى الحضارة القرطاجنّيّة العريقة، ثم هذه الإشارة للتأثيرات الأندلسية... وسرعان ما استحضرت الأذهان بقية الروافد الحضارية التي أثرت التاريخ التونسي على مرّ الأزمان... لقد أحسنت تونس الاختيار، مثلما أحسنت العزف، فأقبل عليها الحاضرون، يمدحون موهبتها، ويشيدون بذوقها الرفيع... إلا ابن خالتها فارس فقد كان منهمكا في فتح بقية الهدايا...
أخذ بين يديه لفافة إسطوانية الشكل، ونزع عنها الغلاف، فإذا هي زربية حائطية تقليدية... بسطها أمام الحاضرين فتكشفت عن مشهد فارس يشق البرية على صهوة جواده، وقد ارتسمت على وجهه علامات الإصرار والعزيمة.. ووراءه يرتفع زوج من أشجار النخيل عاليا في أنفة وشموخ، أما خلفية الصورة، فتشغلها جبال شامخة، وكأنها ترقب المشهد من عليائها في سكينة وهدوء.
علق فارس قائلا:
- هذه ولا شك هدية جدي مجد وجدتي نخلة.
فتدخل الجد موضحا:
- الحق أنني اكتفيت بإعانة جدتكم على بتصور المشهد، أما نسجه فقد تولته وحدها، وقد أنفقت في ذلك أسابيع عديدة حتى أتمته.
شكرت تونس جديها بحرارة على الهدية القيمة التي جسدت تقاليد الفروسية المتأصلة في كل ربوع الوطن. وهنا تدخلت صوفية تسألها:
- وأنا يا ابنة عمي... ألن تفتحي هديتي؟
- سأفتحها حالا، فأنا كذلك متشوقة لمعرفتها.
كانت هدية صوفية متمثلة في جملة من الموسوعات الالكترونية التي كانت تونس تهوى الإبحار عبر ما تقدمه من معلومات حول كل ما يمكن تصوره من مواضيع من التاريخ والحضارات، إلى الآداب والفنون، ومن وسائل الإعلام والترفيه إلى العلوم بجميع فروعها.
- كنت أعرف شغفك بالمعرفة، ورغبتك في الإطلاع على كل ما يقع بين يديك من كتب أيّا كان نوعها، فلم أجد أفضل من هذه الموسوعات أهديها إليك... فإنك ستضفرين فيها بكل ما تبحثين عنه من معلومات في أي ميدان تختارينه.
- إنها لهدية ثمينة حقا... وهل أثمن من العلم والمعرفة في عصرنـا اليوم؟أعدك أن أخصص أفضل مكان في مكتبتي لهذه الأقراص الليزرية، بل لهذا الكنز الثمين الذي منحتني إياه.
قالت السيدة فرنسواز:
- أعتقد أنه قد حل دور هديتي الآن: أم تراكم تؤخرونها لصغر حجمها؟
أجابتها تونس بلباقة:
- ومتى كانت العبرة بالحجم يا دكتورة؟.. إن مجرد مجيئك خصيصا لحضور هذا الحفل هو عندي هدية لاتقدر بثمن.
فتحت تونس الظرف الذي قدمته إليها زوجة عمها، فإذا بداخله تذكرة طائرة للسفر إلى باريس ذهابا وإيابا، ومعها مجموعة من تذاكر القطارات التي تربط بين عاصمة النور وبقية المقاطعات الفرنسية، هذا فضلا عن بطاقة اشتراك تسمح لصاحبتها بزيارة ما تشاء من متاحف ومواقـع أثرية.
ظهرت الفرحة على وجه تونس، خاصة وهي التي ترغب منذ مدة في زيارة أوروبا، للتعرف مباشرة على حضارتها، وتطلع على مظاهر تقدمها، بعد أن قرأت عن ذلك الكثير، وشاهدت جوانب منه عبر وسائل الإعلام.
- أخيرا سأشاهد برج إيفل، وأسير بمحاذاة نهر السان وهو ينساب غير بعيد عنه، سأتجول في مدينة ديزني، ثم أعود فأدخل متحف اللوفر، لأقف أمام لوحة الموناليزا، وأتأمل مظاهر الإبداع في تمثال المفكر وفي غيره من نفائس الفن الإنساني.
وأضافت السيدة فرنسواز:
- ولا تنسي الريف الفرنسي الجميل أيضا...
- بالطبع.. سأنتظر هذه الزيارة بفارغ الصبر.
- سنكون في انتظارك في عطلة الشتاء القادمة
وسيتولى عمك الدكتور واثق مرافقتك بنفسه في كل جولاتك.
- لكم أنا مشتاقة لرؤيته والاصغاء إلى أحاديثه الممتعة التي لا تنضب.
تناولت تونس بعد ذلك هدية جديها علي وأم الزين والدي السيد عادل متسائلة:
- ترى.. ماذا أعّد لي الجدان العزيزان؟
أجابها جدها:
- شيئا سألتني عنه في آخر زيارة لك.. وقد وعدتك يومها بإحضاره.
- تقصد...
- نعم، ذلك ما أقصده.
تدخل فارس في الحديث وهو يضرب كفا بكف مداعبا:
- أنا لا أفهم شيئا.. هيا يا سيدي.. اجعل حفيدتك تفتح الهدية، فأنا لم أعد قادرا على مزيد الانتظار.
قال الجد:
- هيا يا عزيزتي.. فإن لك ابن خالة لا يمتلك من الصبر قليلا ولا كثيرا.
ضحك الجميع، ومضت تونس تزيح الغلاف الخارجي عن الهدية، فبرزت لها علبة من المخمل الأحمر
الأنيق، فتحتها، فإذا هي تحوي على رقيقة مذهبة، وضعت في إطار تقليدي جميل، وعلى الرقيقة نقشت بخط أصيل شجرة العائلة: رأت تونس في أعلى الشجرة أسماء أجدادها الأربعة، ثم رأت بعد ذلك بقية الأسماء يتفرع بعضها عن بعض، فتحت اسمي جديها علي وأم الزين خط اسما عمها واثق ووالدها عادل، أما الأول، فاتحد مع السيدة فرنسواز يمين الشجرة لتنتج عن هذا الاتحاد ابنتهما صوفية، وأما الثاني، فيجتمع مع السيدة إخلاص في الوسط، فتولد تونس من هذا الاجتماع، وإلى اليسار تلتقي السيدة أصالة مع السيد حمد، رجل الأعمال الخليجي، ليفرز لقاؤهما ذلك الشاب المرح: فارس، وبطبيعة الحال فقد كانت السيدة إخلاص والسيدة أصالة منحدرتين من الجدين مجد ونخلة في أعلى الشجرة... وهكذا، فقد جمع الرسم بشكل بسيط واضح الأجيال الثلاثة: الأجداد: علي وأم الزين، ومجد ونخلة، والآباء: فرنسواز وواثق وعادل وإخلاص، وأصالة وحمد، والأبناء: صوفية، وتونس، وفارس... وعادت الفتاة الشابة تلقي نظرة متفحصة على شجرة العائلة، فشعرت بالفخر والاعتزاز يملآن كيانها اليافع، لقد أحست أنها ليست مجرد فرد وحيد منبتّ، بل هي كائن له أصول معروفة.. له جذور ثابتة ليس بوسع أحد إنكارها... ثم تأملت الأسماء المكتوبة الواحد تلو الآخر، فرأت أن كل اسم يشكل في ذاته رمزا ويحمل معنى بعيدا ساميا، كما لم يفتها أن تلاحظ أن هذه العائلة رغم صغرها هي عائلة منفتحة على أكثر من رافد حضاري: فهذه السيدة فرنسوازتحمل إليها التأثيرات الفرنسية الغربية، وها هو السيد حمد يحمل من الجهة المقابلة تراث المشرق العربي وثقافته وحضارته، فإذا بالعائلة تصبح وطنا مصغرا تتلاقى داخله الأجيال في ألفة وانسجام. قبلت تونس الشجرة في خشوع ثم أعادتها إلى علبتها بكل تأن، أما فارس وصوفية، فقد انبريا يتصنعان الاحتجاج لأنهما لم يحصلا على هدية مماثلة رغم حرصهما على جذورهما وتمسكهما بالعائلة والوطن في بلدي إقامتهما... وكأن الجد الكريم كان يتوقع رد فعلهما هذا، فأجاب:
- أعلم أن من حق كل منكما الحصول على هدية مماثلة، وأنا لذلك قد أحضرت لوحات بعددكم. التف ثلاثتهم حوله يقبلونه ويرجون له الصحة وطول العمر، أما الحاضرون فقد بان عليهم التأثر العميق بهذا المشهد الرائع. عادت تونس بعد ذلك إلى بقية الهدايا تواصل فتحها، وكانت في كل مرة تلقى في انتظارها مفاجأة تسرها، فهذه علبة للألوان الزيتية، وذلك اشتراك سنوي في إحدى المجلات العلمية، وتلك مجموعة من الروايات لأديب مشهور... هذا بالإضافة إلى الألعاب الترفيهية الفكرية وإسطوانات الليزر لأشهر المعزوفات الكلاسيكية.. وكانت تونس تهوى الاستماع إليها في كل أمسية... 

بين الأحاديث الودية، والنكت المضحكة والحكايات الشيقة، مر الوقت سريعا.. وبدأ الليل يبسط رداءه على الضاحية الهادئة...أخذ المدعوون ينسحبون الواحد تلو الآخر، حتى لم يبق إلا أفراد العائلة. عاد السيد عادل والسيدة إخلاص من توديع ضيوفهما، وانتقل الجميع إلى غرفة الجلوس.. هناك تحلق الشبان الثلاثة؛ تونس وصوفية وفارس حول الحاج علي يستمعون إلى حكاياته عن نضاله من أجل تحرير الوطن إبان الفترة الاستعمارية...
كان الجنوب التونسي آنذاك معقلا للنضال ضد المستعمر، وكانت الحركة الوطنية تشهد في ربوعه نشاطا مكثفا كشأنها في بقية أرجاء البلاد.. أن الحاج علي كان في تلك الايام شابا ناضجا، اكتسب من العلم والثقافة ما منحه وعيا بأهمية الحرية، وضرورة السعي إلى نيلها، فانخرط في الحركة الوطنية وأصبح واحدا من مناضليها الصادقين الدّؤوبين... لم يكن يكل من التجوال بين الأرياف النائية، يجتمع بأهلها، فيشحذ عزائمهم ويقوي هممهم، ويحثهم على المساهمة في الجهد المبذول من أجل تحرير الوطن... ولم تلبث مجهوداته أن أتت أكلها، فقد تزايد عدد المناضلين، وتكثفت بطولاتهم حتى باتت مصدر إزعاج للمستعمر، فسلط على الوطنيين هناك جام غضبه، وكثرت حملات الاعتقال في صفوفهم وتعددت مظاهر القسوة والبطش... أمام هذا الوضع، نصح عدد من الأصدقاء عليا بمغادرة الجنوب، خاصة بعد أن تفطن المستعمر إلى الدور الذي كان يلعبه، وأصبح يطارده في كل مكان، غير أن الشاب المناضل رفض هذا الحل واختار البقاء بموطنه متخفيا في انتظار أن تهدأ ثورة العدو فيعود إلى سالف نشاطه... وطال الانتظار، دون أن تلوح أية بوادر انفراج، بل إن مظاهر العسف والشدة كانت تتضاعف يوما بعد يوم، حتى تيقن علي من أن التخفي لن يجدي نفعا، خاصة وهو المناضل الذي تعود أن يكون دوما في الميدان، لا تهدأ له حركةولا يخبو له نشاط.. فكيف يمكنه أن يحتمل هذا الأسر حتى ولو كان اختياريا؟...لم يجد عندها بدا من مغادرة الجنوب، فودعه أهله ورفقاؤه المناضلون بعد أن وعدوه بمواصلة ما كانوا قد بدأوه معا، وسار هو نحو جهة الساحل... كانت هذه الجهة تعج بدورها بالمناضلين الصادقين الذين يقاسمونه نفس المبادئ والأهداف، فلم يجد مذ وطئت قدماه أرضهم الطيبة غير الرعاية والإحتفاء حيثما حل... لقد كان صيته قد سبقه إلى هناك، فتنافس الأهالي في الترحاب به، كل يريد أن يستضيفه ويؤويه... غير أن الشاب الأبي لم يكن يرضىأن يعيش إلا بما يكسبه من كد يمينه، فاشتغل محاسبا عند أحد تجار المنطقة ممن عرفوا بوطنيتهم وإخلاصهم...
كان يعمل طيلة نهاره في مراجعة الدفاتر وضبط المصاريف والأرباح، وتحصيل المستحقات من العملاء، أما ليله فكان سهرا في الاجتماعات وبحثا عن أسلم السبل للتصدي لتعنت الاستعمار وظلمه.
لم يمر زمن طويل حتى جلب علي لنفسه الإحترام والتقدير من كل من عرفوه، فقد كان مثالا للتونسي الصميم، في رفعة أخلاقه، وانضباطه في العمل وعدم التهاون في تأديته، وفي حبه للوطن واستعداده للتضحية بكل شيء في سبيله. وكان صاحب المتجرأول من انتبه إلى هذه الخصال، بحكم اتصاله الدائم به، فقربه إليه وخصه برعايته حتى غدا وكأنه أحد أبنائه أو فردا من أفراد عائلته... وما أسرع أن تحولت علاقة العمل هذه إلى علاقة قرابة ومصاهرة: فقد كانت للتاجر ابنة أسماهاأم الزين تبركا بولية صالحة لها في نفوس أهل الساحل أكبر مكانة وأثر. كانت أم الزين فتاة على قدر كبير من الجمال، أشرف والدها على تربيتها وتثقيفها بنفسه، فنشأت على قيم أخلاقية سامية شدت إليها الشاب المناضل مثلما شدت والديه يوم جاءا من الجنوب لإعلان الخطوبة، كما جرت عليه العادة...
كان الاحتفال بالزفاف احتفالا مشهودا، عاشت القرية الساحلية على وقعه أياما وليالي تعارفت فيها العائلات وتقاربت النفوس وعمت أفراحها الكبار والصغار.. وكانت زيجة مباركة أثمرت ابنين صالحين: عادل بن علي وواثق بن علي، هذين الرجلين اللذين يكملان اليوم - كل من موقعه - مسيرة نضالية بدأها والدهما قبل ما يزيد عن النصف قرن.
قالت صوفية تخاطب جدها:
- يا لها من حكاية يا جدي... لقد استمعت إليها عديد المرات، غير أني لا أزال أجد لها في نفسي ذات التأثير... لقد جازاك الله على
تضحياتك خيرا، وكافأك على إخلاصك لوطنك ولأهلك.
- إني أصلي له، من أجل أن يحفظ علينا جميعا هذه النعمة ويديمها.
التفت فارس إلى جده مجد وكان يجلس حذوه، فسأله مشاكسا:
- وأنت يا جدي.. ألن تحكي لنا قصتك؟
- ولكنم تعرفونها.
وتدخلت تونس في الحديث:
- لا بأس يا جدي .. نريد أن نسمعها منك ثانية.. هيا...
- لقد شاءت الأقدار أن تحمل جدك علي إلى الساحل ليستقر هناك، ويكون هذه العائلة
الطيبة، أما أنا فقد جعلتني أغادر العاصمة باتجاه غرب البلاد. سألته صوفية:
- لقد ذهبت إلى هناك للتدريس، أليس كذلك؟
- نعم.. كان ذلك في أوائل الخمسينات.
- ولكن لماذا؟ ألم تكن توجد أماكن شاغرة هنا في العاصمة؟
- بلى.. لكنني كنت أشعر أنني مدين لهذا الوطن بالكثير، وأن علي أن أخدمه
.. أن أفيده وأفيد أبناءه.. وقد تأكد لدي بعد تخرجي أن بقائي في العاصمة لن يحقق هذه الغاية.
- وكيف ذلك؟
- إن المستعمر لم يكن حريصا على إنشاء المدارس، ولكن هذا لم يمنع وجود عدد منها في المدن أما في المناطق الداخلية، فقد كان الجهل متفشيا، وكانت الامية تكبل العقول؛ لقد جعلني
هذا أشعر أن مكاني الطبيعي، إنما هو في واحدة مـن تلك المناطق، أحمل إليها نور العلم وأزرع في نفوس أهلها حب المعرفة والرغبة فيها... لقد كانت هذه هي طريقتي في النضال من أجل تحرير الوطن.
- ولماذا اخترت الجهة الغربية بالذات.. هل قصدتها بعد تخرجك مباشرة؟
- كلا.. لقد قمت قبل ذلك بجولة قادتني إلى معظم جهات البلاد... كنت أريد أن أعرف وطني، أن أزور كل شبر من ترابه.. كنت أريد أن أسبح في مياهه، وأتسلق جباله، أن أعبر وديانه، وأقطع سهوله وروابيه، وأنام تحت سماء صحرائه، وأستقبل الفجر في بواديه... كانت تلك هي طريقتي حتى أقول له: أحبك أيها الوطن.. أحب كل ذرة من ترابك، وأعشق كل تونسي يستنشق هواءك ويروي بعرقه ثراك ويجود بروحه في سبيل مجدك وعزتك.
وعادت صوفية تسأله:
- وهل زرت بالفعل كل الجهات؟
- لقد زرت أغلبها، ولكن ذلك لم يكن أمرا هينا، فالمسالك وعرة، ووسائلالنقل كانت بدائية وشبه معدومة، غير أن هذا لم يثنني عن عزمي، بل هو قد أعطى رحلتي نكهة إضافية.
قال فارس مفاخرا:
- ألم أقل لكم؟ إن جدي هو ابن بطوطة زمانه...
ضحك الجميع في حين واصلت صوفية:
- وأي المناطق أعجبتك؟
- لكل واحدة رونقها وسحرها... فإن ذهبت إلى الساحل فتنك البحر بزرقته اللامتناهية وسكونه
المهيب، وإن قصدت الجبل أعجبك وقاره وشموخه، ووقفت تتأملين عظمته وتسرحين النظر
 في غاباته المترامية... وإن
زرت الصحراء شدتك إليها بواحاتها الوارفة وكثبانها الممتدة.
- فلماذا اخترت منطقة قلعة سنان بالذات لتستقر فيها؟
- لقد وصل القلعة عبر القطار قادما إليها من توزر، وكنت قبل ذلك قد مررت بالمتلوي وسيدي
بوبكر وماجل بلعباس وفريانة والقصرين وعين كرمة، وغيرها من المدن والقرى، وفي كل
مرة كنت أقف على وطنية أبناء تلك النواحي، وأتأكد من صدق رغبتهم في تحرير البلاد وتخليصها
من الاستعمار.
سكت لحظة كمن يستجمع ذكرياته ثم أضاف:
- لقد كنت أنوي مواصلة الرحلة بعد ذلك شمالا نحو الكاف وجندوبة وعين دراهم وطبرقة، ثم العودة من ثمة
إلى العاصمة.
قاطعته صوفية متسائلة:
- فماالذي جعلك تحط الرحال في تلك القرية؟
أجابها مبتسما في غموض:
- إنه يوغرطة
رددت صوفية متعجبة:
- يوغرطة..؟ أعلم أنه قائد تاريخي عظيم أحب بلده، وضحى من أجل تحريره بنفسه، ولكن هذا كان
منذ مئات السنين، فكيف يمكنه أن يقنعك؟
ضحكت تونس وأجابتها:
- لا شك أنه يقصد مائدة يوغرطة التي توجد في تلك الأنحاء.. أليس كذلك يا جدي؟
- هذا ما قصدته فعلا...
تساءلت صوفية:
- وما تراها تكون مائدة يوغرطة هذه؟
- هي صخرة عظيمة ذات شكل مستدير وسطح منبسط، نسج الأهالي حولها أسطورة تخلد ذكرى القائد
البربري العظيم الذي تحدي الإمبراطورية الرومانية أيام كانت في قمة قوتها وجبروتها.. وقد أردت أن
أزور هذه الصخرة إكراما لذكراه، واعترافا له بالجميل.
- وما الذي حدث عندها؟
- لقد التقيت ببعض القرويين هناك فتبادلنا بعض الأحاديث حول مواضيع شتى، حتى انتهينا
إلى ذكر التعليم وأهميته، فأخبروني متأسفين أن مدرسة القرية مهددة بالإغلاق النهائي بعد أن غادرها
مدرسها الوحيد...أدركت حينها على الفور، أنني قد عثرت على ضالتي... وأن القلعة هي المكان الذي
كنت أريد الاستقرار فيه... وهكذا كانت
البداية.
سأله فارس:
- وجدتي... ألا تخبرنا كيف كان لقاؤك بها؟
أجابه وهو ينظر إليها مبتسما:
- لعلها تريد أن تخبركم بنفسها.
شعرت الجدة في البداية ببعض الحرج إلا أنها سرعانما استسلمت لإلحاح حفيديها تونس وفارس، وbr> معهما صوفية أيضا، فقالت:
- لقد انتشر في القرية خبر قدوم مدرس من العاصمة ليتولى تعليم أبنائها، فأصبح الكل ينتظرون رؤيته، ويتطلعون إلى التعرف عليه... ثم صرنا نسمع الرجال بعد ذلك يذكرون طيبته ورفعة أخلاقه، ويصورون شدة حماسه لنشر العلم بين الاطفال والشبان، كما كانوا يمدحون وطنيته الصادقة وغيرته الكبيرة على البلاد... وبعد مدة علمت أن المدرس الجديد يريد أن يخصص جانبا من يومه لتعليم الكهول ممن لم تتح لهم في السابق فرصة الالتحاق بالمدرسة، وقد حرص على ألا تستثنى المرأة أوالمرأة من ذلك.
سألها فارس:
- وما كان موقف أهل القرية؟
- لقد كان موقف الرفض طبعا، غير أن جدك قد استطاع تدريجيا أن يقنعهم واحدا بعد الآخر، ولولا
سمعته الطيبة بينهم لما تمكن من ذلك.
قالت صوفية تستفسرها:
- وهل كنت من اللائي التحقن بهذه الدروس ؟
- بل كنت من أوائل الملتحقات بها.. لم يكن لأية واحدة من نساء القرية أن تضيع هذه الفرصة.
وعاد فارس يسألها ممازحا:
- وهل كنت تلميذة متفوقة يا جدتي؟
فتولى السيد مجد الإجابة عن سؤاله قائلا:
- بل كانت الأولى دوما.. لقد تفوقت على سائر زميلاتها، بل وزملائها أيضا... فقد كان حبها للعلم لا
حد له.
ثم أضاف مشيرا إلى تونس:
- وها قد أخذت عنها حفيدتها هذه الخصلةالرائعة.
تواصل الحديث بينهم بعد ذلك منتقلين من موضوع إلى آخر... تحدثت صوفية وأمها عن المكانة التي
 أصبحت تحضى بها العائلات المقيمة في الخارج، وأشار السيد عادل إلى الدور الذي يلعبه المهاجر في تنمية البلاد... أما الجدان الوقوران، فكانت تطل من أعينهما نظرة فرح ورضى تغمر كل الحاضرين، نظرة من ضحى وناظل، ثم وقف اليوم ينعم بثمار ما بذله من جهد، ويرى الجيل الذي أعقبه يسير في نفس الطريق فيواصل البناء بأمانة وإخلاص.

بعد العشاء عادت العائلة إلى غرفة الجلوس ثانية، تحلق الجميع حول جهاز التلفزة
يشاهدون شريط الاحتفال الذي تم تسجيله مساء ذلك اليوم... وكانوا بين الفينة والأخرى يضحكون
لمشهد طريف أو لتعليق من تعاليق فارس المسلية.
حين انتهى الشريط، آوى كل واحد منهم إلى غرفته لينام، استعدادا ليوم الغد الذي سيكون حافلا
بالنشاط، أما تونس فبمجرد أن أغلقت الباب وراءها، أخذت في ترتيب هداياها.. علقت
الزربية الحائطية، هدية جديها مجد ونخلة، عند فراشها، وعلى الطاولة الصغيرة المجاورة له، وضعت
شجرة الـزيـتون الفضية وأضاءتها، فعم نورها الساحر
أرجاء الغرفة ... مضت بعد ذلك إلى مكتبها، فوضعت عليه اللوحة التي تجسد شجرة العائلة، وبالقرب منها نصبت الحاسوب متعدد الوسائط.. ووصلته بمنشبي الهاتف والكهرباء، أما هدية والدتها السيدة إخلاص، فقد علقتها في مواجهة الباب، حتى تكون أول ما يقع عليه نظرها، أو نظر كل من يدخل الغرفة... عادت بعد ذلك، فجلست إلى المكتب، ثم شغلت الحاسوب، وببراعة ودراية وصلته بشبكة الإنترنت ... ظلت تنتقل من بلد إلى بلد، ومن بنك معلومات إلى آخر، حتى مضى قـسم كبير من الليل، وعندها آوت إلى فراشها، وفي ذهنها تزدحم صور الساعات الجميلة الماضية بكل ما حملته إليها من فرح وسعادة، وما أسرع أن استسلمت الفتاة الشابة إلى النوم في براءة ورقة، تحلم بهذا الغد الذي تنتظره بأمل وحماس.

 

الجزء الثاني

الجزء الأول

صفحة الغلاف