الجزء الأول

 مولد الغد...

المؤلف: سليم قاسم

 

أقبلت الفتاة الجميلة على كعكة عيد الميلاد، وبحماس ظاهرأطفأت الشمعات الثلاثة عشرة التي توزعت فوقها على شكل هلال جميل... عاد النور يغمر القاعة الفـسيحة ثانية، وضج الحاضرون بالتهليل والتصفيق... تسربت حمرة لطيفة إلى الوجه الجميل المشرق فزادته تألقا وبهاء، وارتسمت على الثغر الصغير ابتسامة ساحرة ردت على فيض التهاني والأمنيات الذي انثال من كل حدب...

انبرى أحد المدعوين يترنم بتلك الأغنية الخاصة بأعياد الميلاد.. وسرعانما شاركه الجميع الغناء:
عيد ميلاد سعيد..
عيد ميلاد سعيد..
عيد ميلاد سعيد.. يا تونس..
عيد ميلاد سعيد..

كانت الفرحة بادية على كل الأوجه، وكان السرور يطل من أعين الحاضرين جميعا، وخاصة من عيني سيدة أنيقة تبدو في حوالي الأربعين من عمرها... كانت تقف إلى يسار تونس، وكان في نظرتها إلىالفتاة اليافعة أمر مميز: فأنت ترى في عينيها الإعجاب والفرح وقد امتزجا بالعطف والحنو، وترى السعادة والرضى وقد خالطهما الفخر والاعتزاز.
مالت إحدى المدعوات على صديقة لها هامسة:
- انظري.. أ رأيت كم تشبه تونس أمها السيدة إخلاص
أومأت الصديقة برأسها موافقة وأضافت :
- حقا إن الشبه بينهما لكبير، ولا عجب في ذلك: فتونس ككل بنت ليست سوى امتداد لأمها.. ولكن لا يجب أن تنسي أباها السيد عادل أيضا...
- غير أنها لم تأخذ منه على ما يبدو الكثير.
- بل لقد أخذت عنه ما يفوق الشكل قيمة وأهمية.. أخذت عنه استقامته واعتداله وحبه للاخرين.
- أتراها تكون كذلك في مثل تفانيه في العمل وتقديسه للواجب؟
- وهل تشكين في هذا؟.. لقد منح السيد عادل ابنته منذ اللحظات الأولى لولادتها كل عنايته واهتمامه.. وها قد بدأت ثمار هذه التربية ونتائج هذا الجهد تتضح للعيان.
وتدخلت صديقة ثالثة كانت تتابع الحوارمنذ بدايته باهتمام:
-.. بل قولا إن عناية السيد عادل; بتونس قد بدأت حتى قبل ولادتها.. أم تراكما نسيتما ما فعله من أجلها ؟
أجابتها الأولى مؤكدة:
- وهـل كان ما قام به هينا فننساه بهذه السهولة...؟

كان السيد عادل في تلك الأثناء يدعو جميع أفراد العائلة لالتقاط الصورة التذكارية، ذلـك التقليد الذي يحرص عليه دوما في كل المناسبات التي تجمعهم... احتضنت تونس أباها بيمينها وأمها بيسارها، وانسابت يدا الزوجين خلف ابنتهما فتعانقتا، ولمعت أضـواء الة التصوير... نظر الزوجان لإبنتهما، ثم ارتفعت الأعين لتتلاقى وكأنها على موعد واتفاق... فهم كلّ منهما أن الآخر كان يفكّر في الأمر ذاته، وأن ذاكرته قد عادت به إلى الزّمن نفسه فابتسما... 

قالت عينان:
- أ تذكر ؟
- وهل أنسى ؟
- كانت ساعات حرجة...
- بالتأكيد.
- لم تخف ؟
- خفت عليك... على تونس...
- وعلى نفسك ؟
- أبدا... لم يكن لديّ وقت لأفكر في أمر كهذا... لم يكن لخوفي على نفسي من معنى... وحدك كنت تهمّينني... وحدها كانت تونس تهمّني...
في تلك الليلة، كانت السيارة تشق حلكة الظلام بأقصى سرعتها قادمة من إحدى الضواحي القريبة من العاصمة... في الداخل انتصب السّيد عادل خلف عجلة القيادة يوجّهها بدرايـة... لم يكن المجال يسمح بأية هفوة.. لم يكن يسمح بإضاعة دقيقة واحدة.. ثانية واحدة... كان نظره مركّزا على الطّريق الممتد أمامه، وكانت تقاطيع وجهه رغم هـدوئها المألوف توحي بحرج الموقـف... كان السّيد عادل يلقي بين الفينة والأخرى نظرة سريعة على زوجته الممدّدة إلى جانبه على المقعد المجاور حتى يطمئن على حالتها... كانت شاحبة ضعيفة، وكانت تحاول جاهدة ألا تكشف ما تعانيه من آلام مبرّحة غير أنها لا تستطيع، فيند عنها تأوه خافت مؤثر...

حين عاد من عمله في ذلك المساء وجدها منهكة إلى حد بعيد... قالت له إنها قد نزفت كثيرا قبل قدومه دون أن يستطيع أحد أن يفعل من أجلهـا شيئا. صحيح أن حالتها قد تحسنت بعودته، وأن النزيف قلّ حتى كاد أن يتوقف تماما، غير أن الخطر كان لا يزال قائما يهدّدها في كل لحظة. بقي إلى جانبها بعض الوقت، غير أنه سرعانما أدرك أن الانتظار لن يأتي بالنتيجة المرجوة بل سيزيد الامور تعقيدا: وحده كان الحل الجذري كفيلا بإنقاذها، فلم يتردد لحظة واحدةولم يتأخر...

كانت السيّارة تقترب الآن من مقصدها... رفع السيد عادل سماعة الهاتف وركّب رقم المستشفى، وصف لموظف الاستقبال حالة زوجته، ومده بما يلزم من معلومات حتى يكون كلّ شيء جاهزا عند وصولهما، وهو ما تم فعلا: فلم تمض أكثر من خمس دقائق على هذه المكالمة، حتى كانت السيدة إخلاص ممددة على النقالة في مدخل قسم الولادات، يرافقها طبيب مختص وأحد مساعديه إلى غرفة العيادة... بعد لحظات طويلة من الانتظار القاسي، خرج الرجلان... لم يكن من الصّعب على السيد عادل أن يقرأ على ملامح كلّ منهما الإجابة عما كان يدور في ذهنه من أسئلة... كان الموقف دقيقا، وكانت الدقائق الآخذة في التسارع تقترب بالجميع من نهاية غامضة مجهولة، قد تكون خيرا وفرحا، وقد تكون عكس ذلـك كلّه.
بادره الطبيب:
- لا أكتمك الأمر ياسيد عادل فالحالة حرجة... لقد نزفت كثيرا، وكان بإمكان المكروه أن يحصل لولا قدرتها الكبيرة على التحمل، ولولا وصولك أنت في الوقت المناسب لإنقاذها.
- والحلّ يا دكتور ؟
- في مثل هذه الحالات لا بـد من إجراء نقل للدم في أقرب وقت، فذلك هو الحل الوحيد حتى تستعيد بعضا من قدراتها.
- وماذا ننتظر للقيام بذلك ؟ هيا بنا...
- أخشى ألا يكون الأمر بالبساطة التي تتوقعها.
كانت في صوت الطبيب نبرة يائسة جعلت السيد عادل يشعر بالعالم يوشك أن ينهار من حوله، لكنه رفـض بكل قواه أن يستسلم لهذا الشعور... رفـض أن يترك لليأس مجالا ينفذ منه إلى نفسه، فشيء ما.. شيء قوي غامض كان في قرارته يبشره بخلاص قريب...
وواصل الطبيب كلامه مفسرا:
- الحقيقة أن دم السيدة إخلاص هو من فصيلة نادرة... نادرة جدّا... ولعل عدد الذين يحملونها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في البلاد كلها.

انفرجت أسارير السيد عادل فجأة حتى قرأ على وجه محدّثه علامات الدهشة والتساؤل جلية، فوضح له الأمر قائلا:
- قد يكون الحاملون لهذه الفصيلة قلائل كما ذكرت، غير أن أحدهـم يقف أمامك الآن.
- إذن فقد كتبت لها النجاة على يديك.
- ولتونس أيضا إن شاء الله.
 

وردد الطبيب متسائلا:
- تونس ؟
- أجل.. ابنتنا التي انتظرناها طويلا.
في الطريق إلى غرفة السيدة إخلاص، شرح له الطبيب الموقف بأكثر دقة:
- في مثل هذه الحالات، يفترض أن يكون عدد المتطوعين كبيرا لنتمكن من جمع الكمية المطلوبة.
وفهم السيد عادل مقصده فقاطعه قائلا :
- لا يهم... اسحبوا مني كل ما تحتاجونه من دماء.
- لا أكتمك أن ذلك قد يشكل خطورة حقيقية على حياتك.
أجابه وقد نسي كل شيء وتركز تفكيره عند أمر واحد دون سواه:
- المهم أن تعيش تونس، أمّا الباقي...تمدد السيد عادل على السريرالمحاذي للسيدة إخلاص... كانت الآن قد دخلت في غيبوبة، وكانت كل المؤشرات التي يرسمها الجهاز الإلكتروني المنتصب بجوارهـا تبعث على القلق.. وبسرعة قام الطبيب بعمل اللازم... امتدت الأنابيب تصل شرايين الزوجين عبر جهاز خاص، وجلس الحاضرون يراقبون العملية... كان كل واحد منهم ينقل نظره بين كمية الدم التي تسجلها اللوحة الإلكترونية ووجه السيدة إخلاص.. وبقدر ما كانت الأولى في حركة تصاعدية محمومة، كان الثاني ساكنا لا يوحي بأية حركة قريبة... بمرور الوقت كان توتر الطبيب يتصاعد حتى انتصب فجأة واقفا وتوجه إلى السيد عادل قائلا:
- يجب أن نتوقف فورا... لقد تجاوزنا الحد المسموح به منذ وقت طويل، وأصبحت حياتك مهددة في أية لحظة.
أجابه بلهجة حازمة كشفت عزم صاحبها وإصراره على التضحية:
- سنتوقـف في إحدى حالتين فقط: أن تستفيق إخلاص وترى ابنتنا النور، أو أن تنضب دمائي حتى آخر قطرة.
- ولكن هذه...
- هذه مسؤوليتي... أنا أقدمت عليها، وأنا سأتحمل نتيجتها مهما كانت.
أيقن الطبيب من عدم جدوى أية محاولة لإقناع السيد عادل بتغيير موقفه، فعاد إلى مجلسه وقد امتلأ في قرارة نفسه إعجابا بشجاعة هذا الأب الذي يقبل أن يضحي بحياته في سبيل ابنته، بل ويقدم على ذلك بكل ثبات وعزيمة.. فدعا الله في سره أن يأخذ بيد الأم وابنتها وأن يكافئ هذه التضحية العظيمة بما تستحقه...
تعلقت عيناه بوجه السيد عادل تبحثان عن أية علامة ضعف أو إعياء للتدخل فورا.. وعبثا كانتا تبحثان: فكل ما كانتا تجدانه هي علامات الإصرار على المضي في نفس الطريق، والإيمان العميق بحتمية الخلاص...
لم يعد أحد يصدق الأرقام التي كان يبثها الجهاز أمامهم... تلاقت الأعين أكثر من مرة متسائلة... ما هذا الذي يحدث...؟ لو بذل أحدهم ما بذله السيد عادل من دماء لكان منذ مدة طويلة في عداد الموتى، ولكن... هو ذا أمامهم صامد.. متماسك.. لا يطرف له جفن ولا تختلج في وجهه قسمة... عادت الأعين تلتقي ثانية... وبين الأعين الحائرة المتسائلة، انفتحت عينان متعبتان ودارتا في أنحاء الغرفة بين الوجوه حتى توقفتا عند وجه مألوف حبيب ثم عادتا فانغلقتا من جديد... هب الجميع والتفوا حول سرير السيدة إخلاص التي بدأت تستعيد وعيها.. في الحال آتخذت في غرفة العمليات المجاورة كل الإستعدادات.. تقدم الطبيب ليفحص السيدة إخلاص للمرة الأخيرة حتى يطمئن على استقرار حالتها قبل نقلها، غير أنه لم يلبث أن أشار إلى أحد زملائه الحاضرين أن يقترب ويعاين بدوره ما عاينه هو ولم يكد يصدقه. تقدم الطبيب الثاني يقوم بما طلب منه، وما أسرع أن نظر إلى زميله ثم صاح بالممرضين:
- لتحضر جميع اللوازم إلى الغرفة فورا... الولادة ستقع الآن.
ذهل الجميع لحظة استوعبوا خلالها المفاجأة الجديدة ثم انقلب هدوء الغرفة حركة واضطرابا... تدافع الممرضون نحو الباب ينفذون الأوامر، وفي لمح البصر كان كل واحد منهم ينتصب وراء عربة رصفت عليها التجهيزات اللازمة وهو يدفعها في الممر الفسيح الذي يفضي إلى الغرفة حيث توجد السيدة إخلاص.

كانت أصوات الأقدام المسرعة وهي ترتطم بأرضية الممر الخاوي في ذلك الوقت المبكر من الصباح تتمازج مع دقات ساعة كبيرة علقت على أحد الجدران، فتملأ القلوب رهبة لم يعد أحد يقوى على مزيد احتمالها... ولكن كان ثمة صوت آخر. صوت رقيق خافت لا يكاد يسمع.. صوت بكاء رضيع حديث الولادة... لم يعر الممرضون الصوت اهتمامهم فلطالما ألفوه في هذا القسم الذي يعج بالمواليد الجدد... غير أن الصوت كان يزداد وضوحا كلما تقدموا داخل الرواق الممتد..

 إنه يأتي من آخره.. هناك توجد غرفة العمليات وقبلها... قبلها توجد غرفة السيدة إخلاص، ولكن.. هل يعقل هذا ؟
حين دخل الممرض الغرفة وقف مشدوها أمام المفاجأة: كان أحد الأطباء يقبل السيد عادل مهنئا، في حين انكب الثاني على الجهاز يفصل عنه الأنابيب، وأقبلت ممرضة على الرضيعة الصغيرة تعتني بنظافتها... وبينهم... كانت السيدة إخلاص تنظر إلى زوجها بعينين كلهما حب واعتراف بالجميل.
أمضى السيد عادل صباحه قرب زوجته الحبيبة، وقرب ابنته التي طالما حلم بميلادها... كان يسمع بين الفينة والاخرى بكاءها فيجد له في أذنه وقعا خاصا مميزا، ويلقى له في نفسه أثرا عجيبا لم يعرفه قبل اليوم... كان ذلك الصوت يطرق سمعه ثم ينفذ إلى وجدانه، فإذا به يحرك في داخله مشاعر الأبوة.. مشاعر ظلت كامنة طيلة سنوات عدة، وها هي اليوم تنطلق قوية جياشة، فتفيض من عينيه نظرة حنوّ وعطف ومحبة تغمر الرضيعة الصغيرة وتحتضنها...لم تشغله تهاني الممرضات والأطباء، ولا المكالمات التي بدأت ترد على الغرفة.. لم تشغله لحظة واحدة عن العناية بهما. كان في كل مرة يتولى الرد، ثم يعود فيجلس قربهما وكأنه لا يريد أن يفارقهما لحظة واحدة.. وفهم الحاضرون ذلك، فانسحبوا في هدوء تاركين العائلة الصغيرة تنعم بلحظات حميمة من السعادة والهناء بعد أن تجاوزت بسلام اللحظات الحرجة التي عاشتها.
حمل الأب الحنون ابنته بلطف، فقبلها واحتضنها ثم عاد ينظر إليها مليا ويتفحص هذا الكيان الصغير الذي تعلقت به كل آماله... كانت بشرتها ذات بياض ناصع تداخله حمرة لطيفة، وكانت بدورها تنظر إليه في هدوء واطمئنان بعينين عسليتين متسعتين.. وفوق العينين، ارتسم حاجبان سوداوان زادهما الجبين الوضّاء جمالا... مسح على الشعر الناعم برفق، ثم ضمها إليه ثانية، وتحركت شفتاه تحمدان الله وهو يعيدها إلى فراشها.

قالت له السيدة إخلاص مداعبة:
- أرأيت.. إنها تشبهك، بل قل هي صورة منك... بصراحة بدأت أحس بالغيرة.
ضحك السيد عادل وأجابها كالمواسي:
- اطمئني يا سيدتي، فكل الحاضرين أجمعوا على أنها في جمال أمها ورقتها.
- في كل الأحوال، فأنا أريدها أن تكون مثلك إرادة وثباتا على المبدإ.
 

- ليمنحها الله طول العمر، ولتكن بعد ذلك كما تريد.
- ماذا نسميها ؟
- أما هذه فمفاجأة.
- نسميها غالية.
- هي بالفعل غالية، ولكن لندع أمر التسمية الآن، فلم يحن وقته بعد.
- كعادتك تريد أن تثير فضولي... هه، أمري إلى الله.
ومضى الزوجان يضحكان ضحكة صافية... وتعانقت الأيدي في انسجام ومحبة.
حوالي الساعة الثالثة كان السيد عادل قد أنهى جميع إجراءات المغادرة بعد أن طمأنه الأطباء
وسمحوا له بذلك. دخل الحجرة، وكانت الآن قد ازدانت بالعديد من باقات الورود سواء تلك التي أمر هو بإحضارها أو التي عجّل بها بعض المهنئين المخلصين ممن أبوا انتظار عودة العائلة إلى منزلها... كانت السيدة إخلاص تجلس في سريرها، وقد غادرت وجههـا علامات التعب والشحوب، فاستعاد نضارته وبهاءه، أما الصغيرة، فكانت تنام إلى جانبها في هدوء ووداعة ولكن بمجرد أن اقترب منها والدها، فتحت عينيها وطفقت تنظر إليه وإلى ما حولها نظرة استكشاف بريئة.
- انظري.. إنها ترحب بي.
أجابته ممازحة:
- ماذا نقول.. الفتاة سر أبيها... والآن، ألن تقول لي ماذا سنسميها ؟
- سأخبرك بذلك في طريقنا إلى المنزل
- ولماذا لا تخبرني الآن.. تريد أن تجعلها مفاجأة أليس كذلك ؟
- الحق أنهما مفاجأتان.
- يـا إلهي... أنا بالكاد أغالب فضولي لمعرفة مفاجأة واحدة، فكيف بي وقد أصبحتا مفاجأتين ؟
ابتسم السيد عادل ومد يده إليها يساعدها على النهوض، ثم انحنى على حقيبة الأدباش، أما هي فتولت تغطية الرضيعة الصغيرة وحملها.
عند مكتب الاستقبال، كان هناك عدد من الأطباء والممرضين الذين جددوا تهانيهم وأمنياتهم في سعادة ظاهرة... وحين وصل الزوجان إلى المدخل الرئيسي للمستشفى، التقاهما رجل كان في طريقه إلى الداخل
فأسرع يعانق السيد عادل ويقبله وهو يردد:
- مبروك يا أخي... ألف مبروك... ما أسعد هذا اليوم
- نعم... إنه يوم سعيد بالفعل... بل هو أسعد الأيام... مبروك علينا جميعا.
مضى الرجل إلى غايته، في حين إلتفتت إخلاص إلى زوجها متسائلة:
- من يكون هذا الرجل... أهو من العائلة ؟ لاأتذكر أنني رأيته قبل الآن.
أجابها وهو يبتسم في غموض:
- ولا أنا.
- أيعقل أن لا يكون من معارفك، وأن يهنئك بكل هذه الحرارة ؟ ثم لماذا تبادله أنت التهنئة ولماذا قلت له مبروك علينا جميعا ؟
- لأن كلينا تونسي.
- لا أفهم.
- هذه هي المفاجأة الثانية.
- التي لن تخبرني بها إلا ونحن في الطريق.
- ألم يكن هذا إتفاقنا ؟
أجابته وهي تتنهد مستسلمة:
- لا فائدة من المحاولة إذن.
ثم أضافت تداعبه:
- لن تتغير أبدا.

حين غادرا البوابة الخارجية، كانت نسمات شهر نوفمبر الرقيقة تهب فتحرك هامات النخيل الذي يحف بالشارع من الجهتين... كانت حركة المرور كثيفة كعادتها في مثل هذا الوقت، غير أن أمرا ما جلب انتباه السيدة إخلاص: كانت السيارات تطلق العنان لمنبهاتها بتلك النغمة التي ألف السواق إصدارها في المناسبات السعيدة... ظنت للوهلة الأولى أن الأمر يتعلق بموكب عرس خاصة وأن اليوم سبت، وهو اليوم الذي ألفت العائلات التونسية أن تقيم فيه مثل هذه

 الاحتفالات، ولكن أي عرس هذا الذي تشارك فيه جميع السيارات المارة أيا كان اتجاهها ؟ وما مناسبة هذا العزف المرتجل الرائع ؟ إنها فرحة عامة... هي ذي تبدو على كل وجه وفي كل حركة... والأعلام المرفرفة هنا وهناك، أليست تؤكد ذلك ؟
وعادت السيدة إخلاص تسأل نفسها:
- ترى ما هي المناسبة ؟ ما هو الحدث الذي أطلق العنان في صفوف الناس لكل هذه الفرحة، وهم الذين يعيشون منذ فترة حالة من السكون المطبق ؟ أنا لم أتغيب إلا بضعة ساعات، ولكنني أشعر أن تغييرا كبيرا قد حصل... ولكن كيف ؟
وكأنما أدرك السيد عادل ما يدور بخلد زوجته من تساؤلات فمد يده إليها بشريط تسجيل قائلا:
- استمعي إلى هذا الشريط... لقد احتفظت به خصيصا من أجلك أنت ومن أجل ابنتنا.
تناولته من يده وأدخلته في الجهاز الموجود على يسارها ثم ضغطت زر القراءة... كانت تتوقع أن يحتوي الشريط على أغان تصور الفرحة بالحدث الجديد الذي كانا يعيشانه، غيرأن ما استمعت إليه كان مختلفا عما توقعته كل الإختلاف... فسرعانما بلغ سمعها صوت رجالي جهوري.. لم يكن صوتا غريبا.. صحيح أنها لم تستمع إليه إلا في مناسبات قليلة نادرة، لكن ذلك لم يمنعها من أن تعرفه على الفور... كان صاحبه من أولئك الذين يعملون أكثر مما يتكلمون، ويفعلون أكثر مما يقولون... أنصتت إخلاص إلى ما كان يقوله بكل انتباه، وكانت من حين إلى آخر تنظر إلى زوجها بجانبها وكأنها لا تصدق ما كانت تسمعه، ثم انبرت تهـلل وتقبل ابنتها وتردد:
- حقا ؟ أخيرا.. أخيرا... هذه هي إذن المفاجأة ؟ إنها بالفعل لكذلك... بل هي أكبر المفاجآت وأجملها... الآن فهـت لماذا بادلك ذلك الرجل التهاني منذ قليل، ولماذا قلتما إنه أسعد الأيام، ولماذا أرى كل هذه الفرحة على الوجوه... من حقنا أن نفرح... أن نبتهج... أن نبتهج، أن ننظر إلى المستقبل نظرة أخرى.. نظرة أمل وتفاؤل... كانت تقول ذلك وهي تعمل أصابعها في جهاز التسجيل حتى تعيد الإستماع إلى الشريط ثانية، وكأنها تريد أن تتأكد من
أنها لا تحلم ولا تتخيل، وأن ما تعيشه في تلك اللحظة هو الحقيقة.. الحقيقة ولا شيء غيرها... ومرة أخرى عاد الصوت الجهوري ينبعث من الجهاز:

أيها" المواطنون.. أيتها المواطنات.. إن التضحيات الجسام التي أقدم عليها الزعيم الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية رفقة رجال بررة في سـبيل تحرير تونس وتنميتها لا تحصى ولا تعد..." واصلت إخلاص الإستماع إلى البيان بكل جوارحها.. كان بيانا مختصرا موجزا، ولكنه قال كل شئ وعبر عما في نفوس التونسيين جميعا من أفكار وأحاسيس... كان أول ما أكد عليه هو ضرورة الحفاظ على ما حققه الشعب من مكتسبات: 

  فاستقلال بلادنا وسلامة ترابنا ومناعة وطننا هي أمانة ضحى من أجلها الكثيرون ولا بد لنا من أن نصونها ونرعاها، ونظامنا الجمهوري هو مفخرة نتباهى بها بين الدول ويجب أن يتدعم وأن يتكرس من خلال ممارسة ديمقراطية أصبح الشعب جديرا بها، خاصة بعد ما بلغه من الوعي والنضج، غير أن صون المكتسبات لم تكن الغاية الوحيدة التي نادى بها البيان، فلا بد كذلك من الحرص على تقدم شعبنا والرفع من شأن وطننا حتى يمضي قدما في
مسيرة تقوده نحو التطور والحداثة... أما عن السبل الكفيلة بتحقيق هذه الغايات الطموحة، فكان من الممكن اختصارها في كلمات معدودات تحمل المعنى ذاته: الجد والعزم والكد والبذل... لقد كان العمل هو نقطة الإرتكاز الأساسية لهذا المشروع الحضاري الكبير... عمل جميع أبناء تونسنا العزيزة كل من موقعه وفي جو من الثقة والأمن والاطمئنان، بعيدا عن كل حقد أو بغضاء أو كراهية.
كانت السيارة قد بلغت الآن باب البحر بعد أن عبرت شارع المنجي سليم وقبله ساحة باب سويقة. كانت هذه السـاحة قد ارتدت أبهى حللها، فذكرت روادها بليالي رمضان وأيام العيد، حين كانت الحياة تبدو فيها تونسية صرفة ببهجتها وتلقائيتها وجمالها... في الداخل، كان الرئيس
يشرف على نهاية تلاوة البيان:
لتحيا تونس.
لتحيا الجمهورية
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

تقدمت السيارة في شارع فرنسا حتى نهايته، وحين أشرفت على الشارع الرئيسي قابلها تمثال ابن خلدون... كان ينتصب عظيما شامخا يطل على الجموع المتزاحمة، وكأنه يذكر بما كتبه صاحبه قبل ما يزيد عن الستة قرون، وبما قاله حول حركة التاريخ وحول حاجة الدول في تطورها إلى العصبيات الفتية، تحقنها بدماء جديدة شابة، فتبعثها إلى الحياة ثانية وتدفعها قدما نحو الحداثة والرقي.
التفتت السيدة إخلاص إلى زوجها وقالت له في وجل كأنها في حضرة العلامة حقا:

- ما أعجب أن يقال كلام قبل مئات السنين، ثم نستحضره اليوم فإذا بالأحداث تؤكده، وإذا هو على قيمته، لم يفقد منها شيئا حتى لكأنه كتب قبل ساعات.
أومأ السيد عادل برأسه موافقا ثم أضاف:
- ذلك لأنه كلام رجل فهم حركة التاريخ، ونفذ إلى جوهر ما يحكمها من قوانين:
فابن خلدون قد أدرك حاجة الناس إلى التجمع، وحاجة هذا التجمع إلى الحاكم القوي العادل الذي يضمن له الاستقرار والازدهار.
- هذا صحيح... انظر إلى هذه الجماهير وما يسودها الآن من فرح وتفاؤل.. كأن ابن خلدون وهو يكتب مقدمته كان يتبأ بالمستقبل.
في الخارج كان المواطنون القادمون من المدينة العتيقة ومن باب البحر يلتقون بأولئك الآتين من
شارع عبد الناصر على يمينهم وشارع الحبيب ثامر على يسارهم، فكأنها جداول تسيل ثم تلتقي، فتتمازج المياه لتكون نهرا كبيرا ينساب في هدوء، فتسمع له في انسيابه خريرا عذبا يهتف بحياة تونس.. ومع تقدم هذا النهر البشري الهائـل، كانت جداول أخرى تنصب فيه فلا تزيده إلا اتساعا وعظمة.
قالت السيدة إخلاص:
- يا الله... كأنني أعيش حلما ورديا رائعا.
ثم أضافت مخاطبة زوجها وكأنها تذكرت أمرا مهما:
- أعتقد أنه قد حان الأوان الآن لتبر بوعدك وتخبرني بالإسم الذي اخترته لابنتنا.
أجابها باسما:
- تعلمين أنني لا أخلف عهدا قطعته، ولكن أحقا لم تعرفي بعد ماذا سنسميها ؟
- ومن أين لي أن أعرف وأنت لم تخبرني؟
أشار إلى الجماهير خارج السيارة قائلا:
- أنا ربما... أما هم فأخبروك باسمها منذ فترة، وهاهم لا ينفكون يهتفون بحياتها.
صمتت السيدة إخلاص لحظة وجيزة كالمفكرة ثم لم تلبث أن صاحت:
- طبعا، طبعا، يا إلهي... وكيف لم أنتبه إلى ذلك ؟ هل يمكن أن تحمل اسما آخر... هل يمكن أن تكون ابنتنا غير تونس.
ثم احتضنت المولودة الجديدة ومضت تردد بدورها:
تحيا تونس..
تحيا تونس..

كان السيد عادل في تلك الأثناء خلف عجلة القيادة، يشق طريقه في تؤدة ورفق وسط الجماهير المحتشدة، وقبل أن تصل مسيرة الفرح العفوية إلى مقصدها، كانت السيارة تتهادى في المقدمة.
عند نهاية الشارع توقفت الجموع أمام بناية فخمة ارتفعت على يمينه، ومعها ارتفعت الأعين... تبحث عن هذا الرجل الذي أنجز ما لم يجرؤ عليه أحد من قبل على امتداد سنوات عدة، غير آبه في ذلك بما كان يواجهه من صعوبات،
 

كان   ولا بما يهدده من أخطار... ولم يطل بالحاضرين انتظارهم، فبمجرد أن سمع الرئيس الشاب هتافات المواطنين تحيي شجاعته وتضحيته، وتعبر عن فرحتها بالعمل الرائد الذي أنجزه، أبى إلا أن يطـل عليهم ليرد على تحيتهم بأحسن منها، وابتسامة صادقة تعلو محياه... ولم تمض إلا دقائق معدودات حتى كان بينهم، يصافحهم ويسمع عبارات امتنانهم ودعواتهم له بالتوفيق وطول العمر.
أدار السيد عادل المحرك، وعندما هم بالانطلاق، حانت منه نظرة إلى المرآة العاكسة، فرأى فيها صورة الرئيس الشاب... ابتعدت السيارة عائدة نحو الضاحية الشمالية وأصوات الهتاف بحياة تونس تملأ الآذان.

 

 

الجزء الثاني

الجزء الأول

صفحة الغلاف