فوزية العلوي

وتبقى المدائن في الحلم أجمل

 

(1)

أفي كل ليلٍ يبيعُ تباريحه للظلام

ويمضي وحيداً يناجي القصيدة؟

يناديه للدّرب دربٌ

يناديه للحدب صوبٌ

تقول الشوارع في ظلّها:

لماذا خُطاه كعزف المزاهر

وفي خافقيه لهيبُ وحرب؟

تقول الزنابق في طلّها:

أهذا الذي قيل هام ببترا؟

وأهدته لمّا قضى شهرزاد

لأجل الحكاية عشرين عُمراً؟

يلاقيني في الظّلّ مرّاً

ألاقيه في القيظ عشرا.

أقول: ألا عم صباحاً

يقول: ألا عم مساء.

يجلسني فوق عرش كلام

ويمنحني طبقاً من ضياء.

يسائلني:

لماذا المدائن في الحلم أجمل؟؟

لماذا أحبّ النجوم؟؟

أفي كل قلبٍ حنين كقلبي

للثم الغيوم؟؟

يشعل أحزانه، ثمّ يرحل فوق الدّخان،

يناديني كيما أطير معه

فأخشى ابتعاد المكان،

يهدّئني، ثم يبسم لي:

تعلّم معي كيف تنسى المكان!!

(2)

لماذا المدائن في الحلم أجمل

تفيضُ عليّ ببيض الأماني؟

فهذي دمشقُ أراها بحاراً

وهذي عيون الصّبايا موانٍ

وهذي نوارسها راقصاتٌ

وهذي حدائقها كالأغاني

لماذا دمشقُ القصيدهْ

مفتّحة وسط قلبي

وأخت دمشق القصيدة بعيدة؟؟

(3)

 

لماذا المدائن في الحلم أجمل

إذا ما فتحتُ كتابي

فألفي الحروف خيولاً جماحاً

وألفي الحكايا حرير ركابي؟؟

فكم هزّني الرّاءُ يا متنبي

وكم خببّ في الشعر مهرُ،

فكدتُ من الوجد أقضي

فلا الموت موتٌ

ولا الذّعرُ ذعرُ،

وكم داعبتني خرادُ كعاب

وكم أسكرتني عطورٌ ونشرُ!!

(4)

لنا الله يا متنبي

وحتّى النّخيل لنا

بكلّ الذي في النخيل

حروفاً خفاقاً

وحبّاً قطافاً

نُواراً نُضاراً

وخيلاً ضماراً

وياءً من اليّمن تجري

ولاماً هو الليل إن بات يسري.

(5)

لنا الشعر يا متنبي

فتضحي المدائن في الشعر أجمل،

تأمّل معي،

ألست ترى شهرزاد

مضرّجةٌ بالعبير؟

وقل لي تُرى ما السّواد؟

أبابلُ ذي؟؟

أم يا تُرى بغداد؟؟

بغداد!!

عُرسٌ وميعادْ!!

بغداد زنبقةٌ

في العطر مغرقةٌ

بغدادُ أشرعة بالوجد مترعةٌ

بغداد أغنيةٌ

أوتارها كبدي

بغدادُ في كتبي

صخّابةُ الطّرب

نخل ومتّسعٌ

يا مزنُ .. ألا انسكب!!

(6)

يسائلني:

لماذا أخاف الوصول إلى المدن الخاوية

إذا ما طويت كتابي؟

فلا القيروان أراها تُجلّى

ولا عقبةُ ارتاد بابي،

وما من حمامٍ يناديني أهلاً

وما من حسانٍ،

أيا قيروان براني المزارُ

فهل من مزارٍ إلى القيروان؟

أما من مآبٍ لتلك القباب؟

أما من وفاءٍ لحسن الصّحاب؟

أيا "بلوي" برتني الهموم

وشفّ فؤادي حنينٌ قديم،

وتُقتُ إليك حماماً مُعنّىً،

فهل يا ترى في الفؤاد أُقيم؟

وهل أسمع النجوى عند الغروب

وذي الزّفرات تشقّ السحاب؟

وأبصر "خضراً" شفيفاً وسيما

يقطّر مزناً ويسقي الصحاب.

فيزهر كرمٌ.

ويورق نجمٌ.

وتخضلّ طيباً زهور الهوى.

ويأتيني صوت قريبٌ بعيدْ

ينادي "أيا سدرة المنتهى"

أيا بلويّ كليمٌ فؤادي

فهل من شفاء لطيرٍ نوى،

براهُ الشّجا

فنتّف ريشه

وباع أليفته والكرى،

وطار بعيدا

هناك تناجيه أحلام تيهٍ

ويومضُ نجمٌ سنيْ

وعند البحار ترفّ قلاعٌ

فيهتز قلُ غريرُ فتّيْ

ينادي حزيناً: أيا بلويّ

أيا بلويّ خذ بيدي

(7)

يسائلني لماذا المدائن في الحلم أجمل؟

ويرحل فوق الدخانن

يناديني كيما أطير معه

فأخشى ابتعاد الزمان

يهدّئني، ثم يبسم لي:

"تعلم معي كيف تنسى الزمان".