نجلاء نايت الإمام - جندوبة

 

عبث الأيام

 

دقت الساعة الواحدة بعد الزوال في الغرفة الواسعة الخاوية... كان عمر لا يزال نائما في سريره الضيق، وعلى يساره انتصب فراش قديم قد تآكل خشبه وبهت لونه. تتوسط الغرفة سجادة بالية ومائدة صغيرة قد انتشرت عليها بقايا خبز وجبن وملاليم. فجأة سمعت طقطقة أعقبها تثاؤب: كان عمر يفرك عينيه آخذا في القيام، وهو يحملق في فضاء الغرفة الممتد الغريب وكأنه يراه لأول مرة... قفز من الفراش واندفع سريعا نحو المائدة ثم جلس يلوك الخبز بنهم وعنف... صرخ غاضبا لما رأى النقود صابا لعناته على أخته حميدة. ولكن ما من سامع غير صمت الجدران ووحدة المكان.

هو ذا عيشه، فقد توفي والده وهو في الثالثة من عمره فكفلته أمه الى أن أخذتها يد المنون بعد سنوات، فبكاها كثيرا وأسف على فراقها ولم يبق له من معيل سوى أخته الكبرى التي ترتزق في بيت أحد الأثرياء... لشد ما ضجر من بطالته وسعى في إيجاد شغل يحد من عذابات تلك الأخت، غير أن حياة التسكع مالبثت أن غلبت إرادته فانخرط فيها وأدمنها. ارتدى ملابسه وخرج قاصدا مقهى الحي، اعترضه شباب ممن درسوا معه، منهم من توظف ومنهم من يستعد للهجرة وآخرون شاركوه حياته الهامشية... مرت لحظات حتى وصل مقهاه ودخل مسلما على الجميع. جلس على مقعده منتظرا صديقه شوقي. أخذ يلمح نظرات صاحب المقهى تدقق فيه فخفض رأسه خجلا. ماذا أفعل؟ فحميدة لم تترك لي غير هذه الملاليم وليس لي ما أسدد به حساب الشهر... اللعنة فليذهب الكل إلى الجحيم. كان يدخن بشراهة ويلتهم السجائر تباعا عساه يهرب من واقعه المرير. أقبل صاحبه شوقي... كان مظهره يدل على أناقة وثراء... درسا معا صغيرين، ورغم انقطاع عمر عن الدراسة إثر وفاة والدته ظلت صداقتهما وطيدة لم يؤثر فيها الفارق الاجتماعي ...شوقي ولد في حضن دافىء ومال وافر، كلفه صديق لوالده بإدارة إحدى شركاته، أما أنا... اللعنة. سلما وجلسا يتحدثان. لطالما حسد عمر تلك الرفاهية التي تبدو على ملامح شوقي بالراحة. ولطالما دعاه الى زيارته فرفض بلباقة. فهو لا يملك من متاع الدنيا سوى ثيابه البالية التي لا تساوي شيئا... التفت اليه شوقي وقد غطت الجو غلالات من دخان السجائر وطقطقات النارجيلة تكسر الصمت: لي زميلة تخرجت وستقيم حفلة، يجب أن تأتي، لا مجال للتمنع، سأمنحك كل ما يلزم. ارتعش عمر لصدى الكلمات، ولكنه حافظ على هدوئه ثم أومأ موافقا: متى ذلك؟ السبت القادم... وسأنتظرك هنا. .

مر الأسبوع روتينيا، ويوم السبت أخبر حميدة بالاحتفال ثم خرج يسير مزهوا بثيابه الجديدة متجاهلا سلام الشباب والكهول. تذكر حبيبة شوقي: لطالما حدثه عنها فانبهر بما سمعه ولعن فقره الذي يمنعه من أن يعرف مثيلاتها. . تقابلا في الظهر ثم ركبا السيارة التي أخذت تشق الشوارع. لشد ما أعجب بأناقة صديقه ورائحة العطر تحمله الى عوالم أخرى يشعر فيها بلذة الشموخ... لم يفهم لماذا خامرته صورة حميدة: لم تكن في الواقع جميلة، ولكن لو توفرت لها حياة أخرى هنيئة لفاقت الأخريات حسنا...

وقفت السيارة أمام المنزل الفخم ونزل يتأمل عشرات السيارات. عض على شفتيه ندما وحسرة ولكن ابتتسامة شوقي بددت ارتباكه. عجب لهذه الدنيا وعجب لحاله ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلا متعة. فتحت الخادمة الباب، ها هي خادمة الطبقة الراقية تمرغ وجهها في المساحيق. دخلا إلى بهو طويل دلت جوانبه على ثراء كبير: لوحات زيتية قيمة وصور خيل اليه أنها من الزمن الغابر... دخلا غرفة وجلسا في ركن قصي، وما فتئت سوسن أن أقبلت مسلمة. جلسوا يتبادلون المجاملات وشرب حتى الثمالة، ثم حانت منه التفاتة فرآها: كانت أخته حميدة في ثوب فاضح وزينة مبتذلة... يا إلهي... أهذه مهنتها، أهذه حميدة، أحس بأنه ملفوظ من العالم من الدنيا بأسرها ، أحس بأنه صغير جدا، وانسحب في صمت.

(بتصرف)