محرزية بالعيدي - عين دراهم

 

الـعــيــد

صفت السماء ليلة العيد، والتمعت النجوم على رقعتها الشاسعة وكأنها الدر المنثور، وهب نسيم دافىء يشرح النفوس. في هذا الوقت، كانت ثلة من الصبيان والفتيات مجتمعين بغرفة تنتشر ثقوب كثيرة في جوانبها... ثقوب خلفها رصاص الجنود، كانوا ينظرون اليها وعيونهم تلتمع ببريق الغضب الدفين... غضب ورثوه عن أجدادهم وأحسوا به يجري مع دمائهم منذ ولدوا.

ما ذنب هذه البراعم الصغيرة التي تستقبل الحياة بكل براءة وطهر؟ ما ذنب هؤلاء الأطفال، أترابهم فرحون باستقبال العيد، قد هيأوا لعبهم الجميلة وملابسهم الأنيقة ليرفوا فيها غدا، ينامون تدغدغهم الأحلام العذبة... ماذا فعلوا كي يستقبلوا العيد بحزن؟ كانت هذه التساؤلات تدور في مخيلاتهم وهم يحدقون في الثقوب. فلا يجدون إلا ردا واحدا: إنه المستعمر المستبد القاسي، إنه السبب في كل ما يحصل... ولمعت عيونهم أكثر فأكثر ببريق غضب هائل، غضب عاصف سيحمل كل ما أمامه لنيل الحرية.

قطع أصغرهم هذا الصمت قائلا: "غدا ننفذ ما اتفقنا عليه، لا نريد تكاسلا ولا خوفا، سنكون يدا واحدة، تصد العدوان، ومن لا يريد أن يتبعنا أو يشعر برهبة وخوف فليرفع يده مستسلما.

قالت فداء: كيف نستسلم يا نضال؟ كيف نرضى بهذا الذل والهوان الذي يكبلنا منذ ولدنا، غدا ننفذ ما اتفقنا عليه دون تراجع أو خوف.

وردت مريم قائلة : نعم، غدا نظهر لهم أننا لسنا عزلا كما ظنونا... أيظنون أن السلاح الوحيد هو االرصاص والمدافع والرشاشات؟ غدا نريهم أن هناك وسائل أخرى ندافع بها عن أرضنا، ونرفع راية الحرية عالية مرفرفة. قال نبيل: لقد اتفقنا الان... وقام الجميع بعزم وإقدام تشيعهم تمنيات زملائهم بالتوفيق والنجاح.

لما بزغ أول شعاع وردي للفجر كالأمل العذب، اجتمع شمل الصغار بنفس المكان... انتظروا بزوغ الشمس بفارغ الصبر وقلوبهم عامرة بالشجاعة والإقدام وقد أمسكوا أيدي بعضهم البعض ينظرون إلى الأفق الذي انتشرت به حمرة قانية وكأنها تنبىء بأن اليوم سيكون عاصفا. استقبلوا العيد بالأسمال التي تكسوهم.، غير أن وجوههم كانت تتألق.

ما إن ارتفعت الشمس في السماء قليلا حتى امتلأت الشوارع بجموع حاشدة، ساروا أول الأمر بصمت وكأن على رؤوسهم الطير... صاح محمد: هيا يا أصدقاء، ها هو اليوم الذي انتظرناه على أحر من الجمر... شمر كل منهم على ساعديه استعدادا وحماسا. قال نضال: أريد أن تتفرقوا، وأن تحيطوا بهذا الجمع الغفير تذكون نار حماسهم إن هم تراجعوا . فلنكن نحن المشاعل التي تضيء قلوبهم، هيا يا أصدقائي...

أسرعوا نحو الجموع المحتجة التي هدرت منادية بسقوط المستعمر المستبد، وهرعت نحو الأسلاك الشائكة غير آبهة بالرصاص المتطاير الذي يثقب صدور أبناء هذا الوطن المغتصب... استبسل الوطنيون أيما استبسال. هتف محمد الصغير: اصمدوا أيها الأبطال ، ناضلوا حتى آخر رمق، فخير لنا أن نموت من أن نحيا أذلاء على أرضنا المفقودة.

صعد نضال فوق كتفي أحد الرجال وقد أحس بوهن عزيمة بعض المواطنين وصاح قائلا: استبسلوا يا أصدقائي ويا أبائي وأمهاتي، استبسلوا من أجل أبنائكم الصغار الذين يواجهون الموت في يوم عيد، اصمدوا من أجلنا إن لم يكن من أجلكم، ألا ترون أننا نحن الصغار نواجه الموت لا نهاب شيئا؟ أنسيتم ما فعله بكم هذا المستعمر المستبد: أنسيتم دياركم التي هدمها ، أنسيتم بناتكم وأمهاتكم، أنسيتم أطفالكم وإخوانكم وأزواجكم؟ إذا كنتم قد نسيتم هذا، فنحن الأطفال لا ننسى... قاوموا واصمدوا فماذا سيفعل بكم أكثر مما فعل... وردت مريم قائلة: دافعوا عن وطنكم المفقود حتى آخر رمق، اهتفوا: يحيا الوطن، وليسقط المستعمر. اخترقت رصاصة غادرة صدر محمد، فصاح صيحة المكسور ثم خفت صوته وذوى... .

انتهى ذلك اليوم، وكانت جثث كثيرة ملقاة هنا وهناك تروي الأرض الضمأى لتنبت شقائق النعمان... كانت جثتان صغيرتان تتوسطان ذلك المكان، جثتا فداء ونضال البريئين. كان الحجر بيد فداء الصغيرة واليد الأخرى تمسك يد نضال بقوة، ووجهاهما يستقبلان السماء التي ترصعت بالنجوم المتلألئة وكأنها الأمل، وثغراهما باسمان يتألقان، يتألقان بابتسامة نصر سيتحقق في يوم ما.

 

محرزية بلعيدي

3 آداب 1