طـــائر الغـربــــــة
قصة قصيرة  بقلم: هيفاء الفارسي

ها قد تحقق الحلم الجميل وحانت الساعة المنشودة، نلت شهادتي أخيرا بتفوق فكانت تتويجا لعمل سنين طويلة من الدراسة. حررتني الشهادة من أصفاد حديدية كبلتني حتى كادت تخنقني..
انطلقت الى الخارج.. الى بلاد أخرى غير بلادي. كان الفراق صعبا، لكن الطموح حتم علي ترك الأهل والوطن... حملتني رياح الغربة الى بلاد قصية هي أشبه بأرض الغرائب النائية التي لا يعرف طريقها أحد.تشرف هذه البلاد على البحر من ثلاث جهات، ويعرف طقسها اضطرابا وعدم استقرار: فتارة يكون باردا تصطك لرطوبته الأسنان وتقشعر لثلوجه الأجسام، وطورا يكون حارا يتصبب لقيظه العرق،وتكاد من فرط حرارته تختنق الأنفاس.الطبيعة في هذه الأرض خلابة: جبال عالية تغطى آنا بالثلوج البيضاء الناصعة وتدثر آونة برداء أخضر من العشب الخضيل الرطب يبدو البحر هنا كحقل شاسع من اللجين الخالص يتلألأ تحت أشعة الشمس العسجدية البراقة,

ابتدأت السنة الدراسية، ودخلت كلية الآداب.. كنت إثر كل حصة أقصد وسط المدينة، يدفعني الفضول الى التجول في شوارعها ومعرفة كل شبر فيها.كنت أرى تلك البناءات الشاهقة تناطح شهب السماء حتى تكاد تسحقها وتلك المغازات والمحلات تعرض فيها أرقى الملابس وأفخم المأكولات وأشذى العطور، أتجول في تلك الشوارع الواسعة المرحة فأبدو كقشة عائمة في بحر ممتد، وأنظر الى تلك البناءات فأبدو كنملة واقفة أمام جبل باذخ... ويرخى الليل سدوله، وتنار الأضواء في المدينة فتغدو كنجمة ساطعة في ليل حالك السواد, تنار واجهات المغازات ليلمع زجاجها البراق فيضفي البهجة والجمال على ما عرض فيها. هناك لا تغلق المحلات فالناس يحبون السهر إلى وقت متأخر من الليل، أما أنا فقد كنت أقصد منزلي الصغير. كنت أعجب لتمكن هؤلاء الناس من السهر والسمر رغم تعبهم كامل النهار: فالكل مشغول بمشاكله، في صراع متواصل مع الزمن، ذلك الصراع الذي ليست له نهاية... تستمر الحركة بهذا البلد بين غاد ورائح، لا يعرف أحد أحدا ولا يكلم هذا الآخر، هؤلاء الناس لا تربطني بهم أية علاقة، الشيء الوحيد الذي أعرفه أن الأقدار حملتني إلى هنا لأعيش معهم مدة من الزمن.

ومضت السنون متتالية وبدأ الشجر يتسرب الى نفسي، فأخذت أملأ أوقات فراغي بالقراءة أو بالتأمل، كنت غالبا أجلس على مقعدي الهزاز وقد أمسكت كتابا جديدا، لكن سرعان ما تحملني الخواطر فتمنعني من مواصلة مطالعة الكتاب , الكتاب كان الشيء الوحيد الذي يسليني, المطالعة كانت كل همي كنت ألتهم الكتب التهاما ولم أفهم سر تلك اللهفة, وفي يوم من الأيام جلست على مقعدي كالعادة فرحة بالكتاب الجديد الذي اشتريته من دكان لبيع الكتب القديمة, لمحت ذلك الكتاب من بين جميع الكتب الموجودة وكان يحمل عنوان: "بلد الحلم الساحر"... فتحت الكتاب وشرعت في القراءة فإذا هو يتحدث عن وطني، ذاك الذي فارقته منذ سنين طويلة، تراءت أمامي فجأة صورة فتاة صغيرة تقرأ قصة تحت دوحة وارفة الظلال، إنها أنا، في كنف الطفولة الحالمة: قلب مفعم بالإحساس والسعادة... أين هي تلك الأيام، أيام أمي الحنون وجدتي العطوف ووالدي المحب، أين هي تلك الليالي التي كانت تجلس فيها جدتي حذوي وأنا نائمة في فراشي الوثير مداعبة شعري في حنان ولطف، اهتز بي المقعد فتخيلت نفسي وقد هدهدتني أمي بصوتها المترنم، وقد هزت المهد حتى يداعب الكرى جفوني الصغيرة، تخيلت طعم تلك الحلويات المعروضة في المحلات الفخمة فتذكرت طعم دقلة النور التي يطعمنيها والدي وأنا تحت النخلة العملاقة التي شعرت أنها قريبة مني رغم بعدها والتي لم أشعر أمامها أني نملة حقيرة بل ابنة وديعة في أحضان والدتها, أين أصدقائي؟ أين هي أصواتهم وهم ينادونني ونحن نلعب الغميضة في أرجاء الواحة؟ أين ذلك الوادي الرقراق الذي أحسست رغم ضيقه أنه أوسع من هذه الطرقات الفسيحة؟ أين هي تلك الملابس المتواضعة التي كانت تخيطها لي جدتي؟ أين هي رائحة الأمومة الشذية؟ وأين ...وأين...وأين؟ قلب جامد لا تحركه أنامل أمي ولا أحضاني جـدتي ولا ابتسامة أبي ولا صراخ أصدقائي ولا حـنان واحتي ولا... أنا هنا وحيدة، لا أنيس ولا جليس، حتى مقعدي ضجر مني, أشعر أن الوحشة تقتلني, أحس بأن الصمت المطبق الأليم يغزو قلبي الحزين، شعور غريب يراودني بأني طائر مكسور الجناح، هاجر إلى بلد بعيد يبحث عن الدفء فلم يلق غير البرد والزمهرير ولما أراد العودة سقط من فوق شجرته العالية التي حلم بتسلقها ولم يعد، لم يستطع أن يرجع إلى حضن أمه الدافىء، إلى عشه الأمين, تلك هي أنا، جرفني الطموح إلى هنا، فلم ألق غير الشقاء والوحشة العارمة, ها قد سافرت... اكتشفت عالما جديدا كنت أجهله، ولكن على ماذا تحصلت؟ لا شيء غيرالحيرة والحسرة على فراق وطني الذي لا يضاهيه بلد آخر مهما تقدم أو تطور. بلد تلجأ إليه الشمس كل فصل فلا تفارقه، بلد تعمه الألفة وتلازمه التقاليد العريقة والمباني العتيقة والعادات الأصيلة، فمن يسأل عن مهد التاريخ تجيبه قرطاج ها أنا ذا، ومن يبحث عن جوهرة السواحل تناديه سوسة أنا، ومن يريد منبع الجمال تقول له توزر أنا، ومن يجهل مركز إشعاع الإسلام تقول القيروان أنا، ومن يقول ما مرادف كلمة الحضارة تقول تونس أنا.أين هي أيام الطفولة البريئة الهادئة الآمنة في ذلك البلد السعيد الأخضر، هيهات لن تعود أبدا. لن يفيد الندم الآن مهما فعلت وحاولت العودة، لقد سلكت طريقا لن يعود منه السائرون إلا بعد عناء. أغلقت الكتاب وقررت نسيان تلك الأحاسيس الأليمة، اتجهت نحو مكتبي وتناولت ورقة كتبت فيها:
بلد الغربة في تاريخ مجهول.
أبي العزيز:
تحية شوق عطرة
وبعد، أعلم أنكم توجهون لي عتابا لأني لم أكتب لكم منذ شهر تقريبا ، لكنك تعلم أني أمر بفترة امتحانات. لقد اشتقت إليكم كثيرا، أتمنى لو شربت ما احتواه البحر من مياه بيني وبينكم، والتهمت ما حملته الأرض من جبال حتى أقصر المسافة بيني وبينكم.. سأواصل متابعة تعلمي ، وستمر هذه السنة بسرعة وتعود إليكم ابنتكم الفيلسوفة وقد تحصلت على الإجازة، سأعود الى وطني، إلى عشي، حيث أهلي وأحبابي. الغربة قاسية، لكن علي التحمل حتى بلوغ هدفي المنشود.

بلغ تحياتي إلى أمي وجدتي وكامل أفراد العائلة، راسلني في أقرب وقت حتى أطمإن على أحوالكم.

طائر الغربة

هيفاء