ناجية العلبوشي - بلطة بوعوان

 

الســــراب

 

تمدد على بلاط القاعة المظلمة التي تحتويه، غير عابىء بالرطوبة المنتشرة في أرجائها، أو الجرذان البائسة التي تظهر من حين إلى آخر باحثة عما تسد به شرهها المتواصل... سحب نفسا عميقا من سيجارة بالية أقامت طويلا في جيب سترته وآن لها ن تحترق وتنتهي، ثم أطلق سحابة صغيرة من الدخان تصاعدت الهوينى نحو السقف المظلم ترافقها تنهيدة مؤلمة لا تصدر إلا عن فؤاد مكلوم أضناه اليأس والضعف ...

لم تكن الغرفة مريحة على الإطلاق، فهي عبارة عن أربعة جدران متقاربة متشققة عامرة بأعداد لا تحصى من الحشرات والزواحف، تطاير طلاؤها غبارا ينظم إلى جحافل الدخان المتصاعد من جسم السيجارة، فيزيد المزيج من رطوبة المكان وينخرط الشاب في نوبات من السعال يتردد صداه... كانت غرفة مظلمة لا يصلها نور في أي حين، عابسة كليلة شتوية باردة تبعث الوحشة والحزن في قلب ساكنها...

نظر إلى السقف مليا فبدا له غريبا غامضا... كان يحجب عنه زرقة السماء في صفائها ويحرمه رؤية أسراب العصافير حين تحوم مغردة حول هذا القبر الذي احتواه... لم بعد يعرف الأفق الجميل حين تعانق السماء الأرض في غزل لطيف... لم يعد يعرف إلا هذا الظلام السرمدي يحاصر زنزانته ويحيط بجسده وروحه التائهة... بات يخشى أن تفقد ذاكرته ملامح العالم الجميل بطبيعته الغناء ومياهه الممتدة أو أن تفقد رائحة التربة الخصبة والعطور العبقة.

هكذا ... في غفلة منه دارت عجلة الزمن دورتها وقذفت به بعيدا عن الأصدقاء والمجتمع وحكمت عليه بالانبتات والاعتكاف وحيدا كالمتقري في الأزمنة الغابرة... انحطت القيم والمبادىء التي بنى عليها شخصيته وحياته، فلم تذكر له حسناته بل ذكرت الخطيئة التي ارتكبها وأصبح على إثرها في قفص الاتهام. ولأنه لم يجد اليد الرحيمة التي قد تمتد لتنتشله من الضياع فقد دخل السجن مكرها وهو يسحب أذيالا من الأحزان لتجاوره في مسكنه البائس...

كان يدرك جيدا أن الثراء الحقيقي يكمن هادئا بين طيات القناعة والفضيلة التي يتحلى بها أمثاله من الفقراء، لذلك كان محبوبا عهد فيه الأقارب والأجوار حميد الخصال واستقامة الأفعال... كان يستأجر بيتا صغيرا في عمارة عتيقة، يدرس نهارا ويعمل ليلا بمسح أحذية العابرين ورواد الملاهي اليلية...

وظلت الغرفتان خاليتين من الأثاث منذ أن أقام فيهما إلا فراشا قديما تآكلت جوانبه، وطاولة خشبية داكنة اللون تشاطره غرفة نومه، وقد رصت عليها مجموعة من الكتب والكراريس بنظام مبالغ فيه... وليس في الأمر من غرابة إذ كان يرى في العلم السلاح الوحيد الذي يمكن بواسطته كبح جماح عجزه وضعفه.

لم تخل الطاولة من كتب في شتى المواضيع: فأنت تنطلق من الأدب العرب إلى الأدب الفرنسي والإنقليزي القديم والفلسفة اليونانية... كان يرحل بين هذه الكتب كل يوم، وكان يجد في نفسه رغبة جامحة تدفعه إلى اقتناء كل كتاب جديد يصدر، وتزج به في متاهات البحث عن سبل توفير المال اللازم لذلك حتى يحتل الكتاب مكانه على الطاولة فيتقلص بصيص الضوء الذي ينبعث من الفراغ الضيق الذي يفصل بين كومة الكتب وسقف البيت...

كان أصدقاؤه يرون حياته هذه روتينية مملة. أما بالنسبة إليه، فكانت جنة الفردوس لا يطؤها غير الرسل والأنبياء... عاش على هذه الفلسفة زمنا، لكن غياب التجربة والتمرس في خضم الحياة جعلا عوده غضا طريا، فكانت أول زلة كفيلة بإرساله إلى هوة سحيقة غيرت مجرى حياته وقلبت مبادئه وقيمه رأسا على عقب...

سحب نفسا ثانيا من السيجارة وقد قاربت عن النفاذ دون أن يعبأ بذلك أو يبالي، فروحه كانت حرة طليقة تسبح في خيالات الوجود وتمرح بين الجنان والحدائق، ثم تعود إليه محملة بالأخبار فيسكن إليها كما يهرع التائه في الصحراء إلى أول واحة تعترض سبيله... كان يصغي إلى مناجاة روحه متلطفا معها حينا، متجبرا عليها حينا آخر، فلا تهدأ هذه الروح إلا لترحل من جديد إلى عالم الخيال والذكريات...

أزاح بأطراف أنامله دمعة دافئة انحدرت من مقلته، ثم أغمض جفنيه محاولا الهروب من الواقع والاستسلام لدنيا الخيال والآمال رافضا الخضوع للذكريات المريرة التي تحاصره منذ زمن ليس بالقصير... كان يحاول إيقاف عجلة الزمن عن دورانها بلا جدوى، فما قد مضى ولن يعود ثانية.

لو أنه لم يمد يده إلى ممتلكات الغير بعد أن اشتد به العجز عن اقتناء كتب السنة النهائية من تعليمه الجامعي، لو لم يعرف تلك الصائفة القاسية، لو لم يتعرض لذلك الحادث الذي أقعده عن العمل لأيام معدودات وحرمه من عائداته البسيطة، لو لم يصغ إلى زميله العائد إلى أرض الوطن بعد غيبة عشر سنوات... لو لم يقدم على سرقة مكتبة الجامعة ليتزود منها بما ينقصه من الكتب... لو لم ينس قيمه السامية ومبادئه الجليلة

كتم حزنه في قلبه ورضي بسنوات السجن، وتبخرت أحلامه البريئة فذهبت أدراج الرياح... أحس بوهن يتخلل أوصاله وبصداع فضيع يمزق خلايا رأسه. وبقي على هذه الحالة لا أكل ولا شرب فتمكن منه العجز وخارت قواه وشحب لونه وذبلت نظراته الهادئة بعد أن كان يلتمع فيهما بريق جذاب يلفت الأبصار... وتصدعت عزيمته وانحدر تدريجيا نحو النهاية... شيع جثمانه ذات صباح بارد ينبىء بقدوم شتاء عاصف وثلج كثير سوف يغطي قبره أياما طويلة... غادر دون وداع أو سلام حاملا بين طيات صدره آهاته المكتومة، وتنهيدته المتمردة الثائرة وأنينه الموجع الذي لم يصرح به إلا لجدران زنزانته البائسة وجرذانها النحيفة الجائعة... بذلك غادر الفيلسوف المجتمع الذي انتبذه حيا ونسي أن يتبع جثمانه ميتا...

بتصرف